وبعض جسم المسلم في النار ، وهذا لا يكون .
وبعضهم صاغ الشبهة صياغة أخرى فقال : لو فرضنا أن الطغاة قتلوا مسلمًا ثم أكلوه ولم يبقوا منه شيئًا ؛ فماذا سوف يحدث ؟ . هل يذهب هذا المسلم المأكول إلى الجنة ، ومعناه أن يذهب الطغاة إلى الجنة ، أو يذهب إلى النار ؟ . وكيف يُعذِّب الله جسم المسلم وقد أُكِلَ ظلمًا ؟ .
وفي الافتراض الثاني يلزم أن يُعذَّب أو يتنعَّم بعض الأبدان دون بعض بغير سبب معقول .
أما الافتراض الثالث فإنه يؤدي إلى أن يُعذَّب أو يتنعَّم جسم جديد لا علاقة له بالعمل الخاطئ أو الصالح ، وكل هذا بعيد عن حكمة الله وعدله .
الجواب : هناك إجابة إجمالية عن الشبهة ، وهي أن هناك جامعًا مشتركًا - لدى العقل والعقلاء - بين أطوار كل شخص منذ أن كان جنينًا وإلى أن يموت ، جامعًا مشتركًا يرى العرف بموجبه أنه بعينه في كل الأطوار . فهو الجاني الذي يُؤخذ بجريمة اقترفها قبل عشر سنوات ، وهو المثاب بعمل صالح أسداه قبل عشرين سنة ؛ فهو هو يرى نفسه كذلك ، ويراه الناس كذلك . وبتعبير أولى وأهدى : إن الإنسان الجنين هو الإنسان عند السبعين عند العقل والعقلاء ، وإن الزيادة والنقصان عندهما بمثابة الهواء الذي يدخل الرئتين ثم يُلفَظ خارجًا ، وإن الله يُعذِّب أو يُنعِّم نفس هذا الإنسان الجامع المشترك ، بعمله ويُعيد نفس هذا الجسم الذي لم يتغيَّر منه بزيادة شيء عليه أو دون زيادة .
وهناك خلاف فلسفي واسع حول أن الذي يحسّ بالألم أو بالنعم ما هو ؟ . الجسم المادي أو النفس أو الروح ؟ . أو هما معًا ؟ . أو الجسم بالروح أو الروح بالجسم ؟ .
النظريتان الأخيرتان تتفقان في أن أحدهما وسيلة للآخر ، والجسم في النظرية الأولى هو الذي يحسّ بالألم ، ولكن لسبب وجود الروح فيه ، كما أن المصباح الكهربائي هو الذي يشع ولكن بسبب جريان التيار فيه . كما أن الروح في النظرية الثانية هي التي تشعر بالألم أو بالنعم ، ولكنها تتوسَّل بوسيلة المادة - الجسم - لكي تتمكَّن من هذا الإحساس . وقد ذهب إلى هذه النظرية الأخيرة طائفة كبيرة من الفلاسفة غير أنهم لم يكونوا عالمين بالعلوم الحديثة التي أثبتت تأثر الجسم بالألم واللذة بسبب الأعصاب .
الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 271
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٧١