تدبَّر فيه . ولم يظهر حتى الآن من نجح في صياغة آية واحدة ولو بصورة تقليدية كآيات القرآن الحكيمة ، وإن أغمضنا النظر عن تحدي القرآن فإن ذاته يدل على صدق هذا الكتاب الذي ظاهره أنيق وباطنه عميق ، ظاهره حكم وباطنه علم ، قيّم لا عوج فيه ، حق لا باطل معه ، لا تختلف أحكامه ولا تتناقض مبادئه ، ولا تتعارض أصوله وفروعه ومفاهيمه وأحكامه .
هذا الكتاب الذي بهر البلغاء فرفعت أعلام الاستسلام ، واستهوى العالم كله فظل يستلهم منه طيلة أربعة عشر قرنًا ، فلم تَبْلُ عجائبه ولم تَخْلُق نضارته ، بل جاء كل جيل فاقتبس من نوره واهتدى بهداه ، وذهب ليستخلفه الجيل الثاني في ذلك دون أن يُؤثِّر تطوُّر الحياة وتقدُّم العلوم واختلاف الزمن شيئًا في عظمته وأهميته . هذا الكتاب يأتي به رجل أميّ محض ، أليس في هذا معجزة دونها معاجز الأنبياء ( عليهم السلام ) .
أين معجزة القرآن ؟
القرآن معجزة لا شك في ذلك ، إذ لو لم يكن معجزة إذًا لاستطاع البشر أن يأتوا بمثله وقد تحداهم جميعًا من أول يوم ، وإذا كان يُشبه كتب البشر في شيء واحد بينما يختلف عنها في كل شيء فلا يكون إلَّا معجزة ، ولكن أين من القرآن المعجزة ؟ في أية ميزة منه اختبأت المعجزة ؟
في الجواب نقول :
ألف : قد احتوت آياته على علوم لم يعهدها البشر ذلك اليوم واكتشفها عصر النور . فبالرغم من أن رموز القرآن لم تحل بصورة دقيقة نظرًا لضحالة معارف الإنسان ، فإن آيات قرآنية كثيرة أشارت إلى حقائق علمية لم تُعرف إلَّا منذ زمن قريب . وإن مقارنة القرآن في هذا الحقل بأي كتاب تاريخي يظهر لنا بوضوح مدى الفرق بين كتاب البشر وكتاب الخالق الأبدي الذي لا يمكن أن يتجاوزه الزمن ، أنَّى سارع في مسيرته . بل إنه يبقى أبدًا أمام الاكتشافات ، فيعود الإنسان إليه كلما عرف سرًّا ليجد فيه إشارة بارزة إليه ، حتى أنه يعتقد بيقين أن القرآن يحتوي على العلم كله .
ونحن إذ نذكر بضعة أمثلة فإنها ليست سوى طليعة الشواهد العلمية التي تتلاحق لتكشف عن إعجاز القرآن :
1 - لقد اكتشف العلم أن المادة كانت جامدة وساكنة وحدث فيها انفجار هائل
الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 226
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٢٦