عصاه إلَّا بعد أن امتلأ رعبًا وخاف ألَّا يؤمن الكفار ، وكان في ذلك دليل على أن موسى ( ع ) لم يكن بذاته قادرًا على إحداث الخارقة بل بإذن الله ، حيث إن السحر يؤثر في إطار محدود بينما المعجزة لا تتحدَّد بإطار . فالساحر مثلًا لا يتمكن من إحياء الميت وإبراء الأكمه والأبرص أو قلب العصى الصغيرة إلى ثعبان مبين يلقف الحبال ثم يرجع إلى أصله وكأن شيئًا لم يكن ، أو خلق طوفان يملأ الأرض ماء ، إن الساحر لا يفعل مثل هذه وقد فعلها الأنبياء ( عليهم السلام ) .
الثالث : بل لعل السحر لا يتمكن من البناء بل الهدم فقط ، بينما يستطيع النبي أن يبني كما يستطيع أن يهدم بالمعجزة . فالساحر قد يتمكن من أن يجعل شجرة باسقة أعوادًا يابسة ولكنه لا يجعل العود اليابس شجرة باسقة .
وأما المعجزة فإنها التي تجعل من الجذعة الذابلة نخلة تساقط رطبًا جنيًّا .
الساحر يمكن أن يجعل الناس فرقًا شيعًا ولكن لا يستطيع أن يُؤلِّف قلوبهم كأنهم بنيان مرصوص ويبعثهم أمة وسطًا .
السحر قد يجعل الأمة القوية شعبًا مستضعفًا ولكنه لا يتمكن من أن يفعل خلاف ذلك - كما تفعل المعجزة - فتبدل الشعب المستضعف أمة قوية .
السحر قد يجعل من النظام فوضى ولكن لا يخلق من الفوضى نظامًا يُبهر العقول .
إذًا فهناك فروق أساسية بين السحر والمعجزة نابعة من مصدر السحر الذي لا يعدو أن يكون استخدام بعض السنن الخفية بعد دراستها وإتقانها . ثم يكون استخدام الساحر الذي يتأثر بالضعف البشري فيستخدم ذلك في الغالب فيما يُضر الناس دون ما ينفعهم . وعلى ذلك نعرف أن إنكار الكفار المعاصرين للرسول ( ص ) معجزاته واتِّهامه بالسحر لم يكن إلَّا خلطًا ساذجًا بين معطيات السحر والمعجزة ، لجهلهم أو استكبارهم عن الحق . فإذا عرفنا نحن أن ما أتى به الرسول ( ص ) لم يكن من السحر علمنا أنه كان معجزة ، فكان كلام الكفار دليلًا على صدق نبوة الرسول ( ص ) وثبوت المعجزة له .
الكتاب المعجزة :
القرآن هو المعجزة التي تبقى دليلًا واضحًا على رسالة النبي ( ص ) مدى الدهر . رجل أُميّ - عرفه معاصروه أنه لا يقرأ ولا يكتب - يأتي بكتاب مفصل فيه علم كل شيء ، بلغ في الفصاحة والبلاغة الذروة ، وضرب في الأسلوب والمحتوى أرقى رقم يُقاس ، ثم
الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 224
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٢٤