لحريته على سعادته انتكاس وتجريد له عن إنسانيته .
إن منطلقنا في الحديث عن ضرورة الرسالة ، ينبغي أن يكون من هاتين الحقيقتين .
ولكن كيف ؟ .
1 - حاجة العقل إلى مذكِّر :
إننا نجد في أنفسنا طاقتين تتصارعان ، هذه تدعونا إلى الحق والخير والسلام ، وتلك تدعونا إلى الباطل والشر ، ونسمي إحداهما بالعقل والثانية بالجهل . والجهل هاوية والعقل قمة . والناس أهون عليهم النزول من الصعود . ومن هنا كانت الحاجة ماسة إلى ابتعاث أُناس مُنزَّهين ومُؤيَّدين من قبل الله ليدعوا الناس إلى اتِّباع عقولهم ونبذ أهوائهم ثم يتحملوا مسؤولية هذه الدعوة الكبيرة ، إذ لولا هذه الطائفة لما كان للعقل الداعي إلى الحق والخير فائدة أبدًا ، وكان صنع الله لغوًا - تعالى الله عن اللغو - ؛ لأننا نجد كل موجود يؤدي عملًا مفيدًا وقد خُلق لهدف ، وأن الله قد فتح له المجال لتحقيق ذلك الهدف الذي خلقه من أجله ؛ فلا يمكن أن يكون العقل قد خُلق دون أية غاية ؟ ! . فمن الضروري أن يبعث الله الأنبياء ( عليهم السلام ) لكيلا يكون خلق الله لغوًا .
وبكلمة موجزة ؛ للناس عقول هي التي تهديهم إلى الرشاد ولكن هذه العقول لا تفيدهم إلَّا إذا ذكَّرهم بها مُذكِّر ، ولا بد لهذا المُذكِّر أن يكون مُسدَّدًا بالغيب ، ليكون هو بنفسه متذكرًا مهتديًا ، وهذا لا يكون إلَّا ببعث الرسل .
وقد سبق القول عند البحث حول العقل : بأن من يغفل عن عقله لابد أن يوجَّه من خارج ذاته إلى عقله . جاء في الحديث عن الإمام أمير المؤمنين ( ع ) : «
فَبَعَثَ فِيهِمْ رُسُلَهُ ، وَوَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِيَاءَهُ ، لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ ، وَيُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِهِ ، وَيَحْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بِالتَّبْلِيغِ وَيُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ . .
» « 1 » .
فإثارة كنوز العقول ضرورة بشرية يقوم بها الأنبياء ( عليهم السلام ) .
2 - ضرورة المذكر :
لا يعرف الناس ربهم إلَّا بمذكر يُذكِّرهم به وداعٍ يدعوهم إليه ؛ ذلك لأن طبيعة
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : خطبة رقم : 1 .