عنها جوابًا متينًا فيقول : مِثْلُنا تُريدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبينٍ ( 10 ) قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلّا بِإِذْنِ اللّهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ « 1 » .
في هاتين الآيتين معالجة شاملة لكافة القضايا الرسالية لابد أن نشير إليها إشارة خاطفة :
ألف : إن الناس كانوا يشكُّون في الأنبياء ، وكان مبعث شكهم هو أن الأنبياء ( عليهم السلام ) إنما هم بشر مثلهم وكيف يمكن أن يبعث الله بشرًا رسولًا ؟ .
باء : لم ينكر الأنبياء أنهم بشر ، كما أنكر اليهود ذلك في عزير ( ع ) والنصارى في المسيح ( ع ) ، بل قالوا : إنْ نحن إلَّا بشر مثلكم . فلسنا نوابغ أفذاذ ، نملك مواهب جمة بها نسألكم الطاعة . ولكننا أناس لا نستحق طاعة ولا ولاء لو تجردنا عن الرسالة الموحاة إلينا من الغيب .
جيم : بيد أنه ليس من العجيب أن يمنَّ الله على من يشاء من عباده بشيء يُميِّزه عن الآخرين ؛ إذ ما دمنا عباده فهو الذي يدبر أمورنا كيف يشاء ويختار للرسالة من يشاء . نحن عباده ، والعبد لابد أن يكون خاضعًا لتدبير مولاه خضوعًا تكوينيًّا شاملًا ، فإذا كان خاضعًا هذا الخضوع فليس من المستحيل أن يهب له علمًا وحكمًا ويبعثه إلى الناس رسولًا مطاعًا بإذنه .
دال : بيد أن رسالتنا - كما يقول الرسول - لا تجعلنا فوق مستوى الناس من حيث الذات ، بل إننا لا نزال خاضعين لله ؛ ولذلك ما كان لنا أن نأتيكم بسلطان فيه نوع من السلطة عليكم إلَّا بإذن الله ، ذلك لأننا وإن كنا أنبياء إلَّا أننا لا نملك شيئًا من دون الله .
واو : وليست لدينا أية قوة ظاهرية نعتمد عليها ، بل كل ما في الأمر أننا نتوكل على الله ، وكذلك نقول للناس : وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ . فالمؤمنون إنما يتقون بالله - سبحانه - لا بما لنا من قوة ذاتية .
هذه هي الرسالة في منطق القرآن ، وهذه هي الشبهة الوحيدة عليها ، وهذا هو الرد الحاسم . وسنذكر - إن شاء الله - أن هذه الرسالة تنسجم مع العقل وفيها حجة على ذاتها .
هامش
( 1 ) سورة إبراهيم ، آية : 10 - 11 .