وَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَتَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ . . .
» « 1 » .
إذًا فلابد أن نبتغي رضوان الله . ولكن كيف ؟ .
من الواضح أنه لا يمكن أن نتصل جميعًا بالله سبحانه مباشرة ؛ لأنه أجلُّ من أن يُلامس ويُواجه من قبل كل أحد ، فوجب أن يجعل بينه وبين الخلق رجالًا يوحي إليهم . جاء في الحديث عن الإمام الصادق ( ع ) : «
إِنَّا لَمَّا أَثْبَتْنَا أَنَّ لَنَا خَالِقًا صَانِعًا مُتَعَالِيًا عَنَّا ، وَعَنْ جَمِيعِ مَا خَلَقَ ، وَكَانَ ذَلِكَ الصَّانِعُ حَكِيمًا ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُشَاهِدَهُ خَلْقُهُ ، وَلَا أَنْ يُلَامِسُوهُ ، وَلَا أَنْ يُبَاشِرَهُمْ ، وَيُبَاشِرُوهُ ، وَيُحَاجَّهُمْ ، وَيُحَاجُّوهُ ، ثَبَتَ أَنَّ لَهُ سُفَرَاءَ فِي خَلْقِهِ وَعِبَادِهِ ، يَدُلُّونَهُمْ عَلَى مَصَالِحِهِمْ ، وَمَنَافِعِهِمْ ، وَمَا بِهِ بَقَاؤُهُمْ ، وَفِي تَرْكِهِ فَنَاؤُهُمْ فَثَبَتَ الْآمِرُونَ وَالنَّاهُونَ عَنِ الحَكِيمِ الْعَلِيمِ فِي خَلْقِهِ ، وَثَبَتَ عِنْدَ ذَلِكَ أَنَّ لَهُ مُعَبِّرِينَ ، وَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ ، حُكَمَاءَ مُؤَدَّبِينَ بِالْحِكْمَةِ مَبْعُوثِينَ عَنْهُ ، مُشَارِكِينَ لِلنَّاسِ فِي أَحْوَالِهِمْ عَلَى مُشَارَكَتِهِمْ لَهُمْ فِي الخَلْقِ ، وَالتَّرْكِيبِ مُؤَدِّينَ مِنْ عِنْدِ الحَكِيمِ الْعَلِيمِ بِالْحِكْمَةِ . .
» « 2 » .
4 - حاجة البشر إلى المنهاج :
لا ريب أن في العالم أشياءً نافعة وأخرى ضارة ، وفيه عمل ينبغي القيام به وآخر يجب تركه . ودون أن نعرف الذي ينفع والذي يضر لا نتمكن من تحقيق السعادة ؛ ذلك لأنه قد نعمل ما يُضر فنشقى وقد نترك ما ينفع فنشقى أيضًا - ولا ريب في هذا أيضًا - ، ومهما أوتي البشر من علم وحكمة لا يكفي لمعرفة كل ما نحتاج إليه من خير وشر وصالح وفاسد .
إن معرفة هذا الأمر تحتاج إلى معرفة ما في الكون وما في النفس من نظم متماسكة ، والآن حيث بلغ العلم ما بلغ لا يزال يُصرِّح بعض من هو أعرف الناس بالثقافة بعجز الإنسان عن الإحاطة بعشر معشار ما في النفس وما في الآفاق من أسرار مدهشة .
يقول نيوتن - وهو من أكبر المكتشفين - : إن نسبة معرفتنا إلى الواقع ليست إلَّا كنسبة القطرة إلى البحر .
ويقول ابن سينا - وهو من أكبر الفلاسفة الأقدمين - بعد أن سئل ماذا عرفت ؟ : عرفت أني لم أعرف شيئًا ، . . .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 9 ، ص 265 .
( 2 ) بحار الأنوار : ج 10 ، ص 164 .