ولا يأمل أحد من العلماء اليوم أن يبلغ العلم يومًا إلى الإحاطة بما في الكون كله . وحسب تعبير بعض الفلاسفة المعاصرين : العلم مركبة في فضاء لا تحدّ ! .
ويقول الكسيس كاريل ، وهو من أكبر العلماء الذين يتمتع بمختلف جوانب الثقافة الحديثة ، وأحرز جائزة نوبل ، وهو يستعرض بعض جوانب الجهل بحياة الإنسان : « لقد بذل الجنس البشري مجهودًا جبّارًا لكي يعرف نفسه ، ولكن بالرغم من أننا نملك كنزًا من الملاحظة التي كدّسها العلماء والفلاسفة والشعراء وكبار العلماء الروحيين في جميع الأزمان ؛ فإننا استطعنا أن نفهم جوانب معينة فقط من أنفسنا .
إننا لا نفهم الإنسان ككل . وواقع الأمر أن جهلنا مطبق ، فأغلب الأسئلة التي يلقيها على أنفسهم أولئك الذين يدرسون الجنس البشري تظل بلا جواب ؛ لأن هناك مناطق غير محدودة في دنيانا الباطنية ما زالت غير معروفة . ثم يقول : فالعقل يتصف بعجز طبيعي عن فهم الحياة .
إن هذه الشهادة ذات قيمة علمية بالغة إذا لوحظت أنها تأتي متزامنة مع شعور متزايد باكتفاء الإنسان عن الوحي .
ويقول الأستاذ ج . و . ن . سولفيان : إن الكون الذي كشفه العلم الحديث هو أكثر غموضًا وإبهامًا من التاريخ الفكري بأكمله . ولا شك في أن علمنا عن الطبيعة أكثر غزارة من أي عصر مضى ، ولكن هذه المعلومات كلها غير مُقنعة ، فنحن نواجه اليوم الإبهام والمتناقضات في كل ناحية .
فلابد للبشر - إذًا - من هادٍ عالم حكيم محيط بالكون كله وليس ذلك إلَّا الله سبحانه ، وكان على الله أن يرسل من لدنه أنبياء ينقلون إليهم أوامره وإرشاداته وإلَّا لم يفلح الإنسان في الحياة ، ولم تتم ما خلق له وهي السعادة ، ولزم اللغو في صنع الله المتعالي عن اللغو .
قال الله سبحانه : هُوَ الَّذي بَعَثَ فِي اْلأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبينٍ « 1 » .
في الحديث عن الإمام الرضا ( ع ) : «
فَإِنْ قَالَ : فَلِمَ وَجَبَ عَلَيْهِمْ مَعْرِفَةُ الرُّسُلِ وَالْإِقْرَارُ بِهِمْ وَالْإِذْعَانُ لَهُمْ بِالطَّاعَةِ ؟ .
هامش
( 1 ) سورة الجمعة ، آية : 2 . في هذه الآية يجعل الله تعالى أحد أسباب البعثة تعليم الحكمة ، وهي معرفة المصالح العامة التي ينبغي أن تُتَّبع .