والواقع أن الذي يعتقد بالرسول عبقريًّا - فقط - وبالرسالة موهبة فحسب ليس بمعتقد بالرسالة أبدًا . ذلك لأن الرسول ( ص ) يُصرِّح أنه مبعوث من قبل الله سبحانه ، وأنه عبد كسائر العباد ، وأنه يتخذ كل اعتباره وقيمته من الوحي ، ويقول : قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ « 1 » . وأما القرآن فيقول في صفة الرسول : وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللّهِ « 2 » ، يا داوُودُ إِنّا جَعَلْناكَ خَليفَةً فِي اْلأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّاسِ بِالْحَقّ « 3 » .
في الآية الأولى : يُؤكِّد الله سبحانه أن الرسول يُطاع بإذن الله ، لا بما فيه من موهبة ونبوغ .
وفي الآية الثانية : يُصرِّح القرآن أن الله قد جعل داود خليفة في الأرض جعلًا .
وعلى هذه الحقيقة يبني الدين كل بنائه ، فالرسول مبعوث من قبل الله ، وحكمه حكم ربه : وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ( 3 ) إِنْ هُوَ إِلّا وَحْيٌ يُوحى « 4 » ، وليس الرسول حالًّا في الله سبحانه إنما هو رجل يُوحى إليه من ربه ، ولا الله تعالى قد وَلَدَهُ ، ولا هو منطو على جزء من الألوهية - كما زعمت الفلسفات الجاهلية والأديان المتأثرة بها - ؛ ذلك لأن اعتباره لم يكن نابعًا من ذاته حتى يكون دليلًا على ألوهيته - كما زعموا - بل لو تجرد عن الوحي عاد بشرًا مثل سائر البشر .
ولهذا ينسف الإسلام كل مزاعم اليهود والنصارى بما ظنوا في أنبيائهم من مراتب الألوهية ؛ زعمًا منهم أن ما في الأنبياء من علم وحكمة ، وأن ما تجري على أيديهم من معاجز وخوارق للعادة ، إنما هي ناشئة من ذواتهم التي فيها نوع من النبوغ يُميِّزهم عن سائر البشر بدرجة .
فعيسى الذي كان يحيي الموتى كان نبيًّا وكان إلهًا بزعمهم ، وعزير الذي مات ثم أحياه الله كان نبيًّا وكان إلهًا في الوقت ذاته . ذلك لأنهم لم يعرفوا واقع الرسالة فزعموا أن عيسى وعزير حين شذَّا عن الآخرين وعملا أعمالًا خارقة فإنما كان بسبب ما كان فيهما من الإلوهية . ومثلهم في ذلك مثل الذين زعموا أن النبوة موهبة ذاتية ونبوغ شخصي للرسول ، فكلاهما لم يفهم واقع النبوة فتخبطا في الظلمات خبطًا . وإنما الفرق بينهما أن الفلسفة القديمة كانت تعترف بأن كل من فاق البشر كان إلهًا دون أنصار الفلسفة الحديثة .
هامش
( 1 ) سورة الكهف ، آية : 110 .
( 2 ) سورة النساء ، آية : 64 .
( 3 ) سورة ص ، آية : 26 .
( 4 ) سورة النجم ، آية : 3 - 4 .