تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
ففي هذه الآيات كما في مئات الآيات الأخرى ، تقرير لحقيقتين : 1 - إن لله رسالة تُنسب إليه وتُضاف إلى اسمه ، إنها رسالة الله وكلامه . ورغم أن كل شيء هو من الله ، فإن للرسالة إضافة خاصة إليه ، نابعة من أن الرسالة إنما هي خرق لسنة الله سبحانه في خلق الأشياء عن طريق أسبابها ؛ فهي موهوبة للإنسان بطريق مباشر بينما أوجد الله سبحانه سائر الأشياء بطريق الأسباب الظاهرة . إذًا فالرسالة آتية بطريق غيبي لا بطريق عادي . 2 - إن الله - حينما يُنزل رسالة - يُحمِّلها رجلًا مصطفى من عباده عن علم واختيار . فالرجل الموحى إليه ليس بشيء لولا الوحي . ومن هنا يأتي الاختلاف بينه وبين العباقرة والنوابغ الذين ترتفع بهم العظمة الشخصية إلى قمم الحياة دون أن يكون للغيب أي تأثير في عظمتهم . هكذا يُحدِّد الله واقع الرسالة ، وهكذا يدَّعي الرسل أنفسهم . ولكن الماديين الذين يبغون الحقائق عوجًا ، يخترعون لكلمة الرسول والرسالة معنى جديدًا ، ويقولون : إنما الرسول إنسان عبقري يتمتع بمواهب وافرة ترفعه مكانًا محمودًا عند الناس ، شأنه شأن الألوف من العباقرة في التاريخ ، ولا فرق إذًا بينه وبين أي عظيم آخر . فالعظماء كلهم من فصيلة واحدة ويجب أن ينظر إليهم بالإجلال دون أي اعتبار لاتجاهاتهم الفكرية ، أهي مستقيمة أم منحرفة ، ولا ملاحظة لأعمالهم أهي صالحة أم مُضرة ، ولا تقييم لمنجزاتهم أهي مفيدة للإنسانية أم لا . ذلك لأن كُلًّا منهم يملك موهبة تميزه عن سائر الناس وتجعلنا نُقدِّره بها تقديرًا . ويقولون : إن محمد بن عبد الله ( ص ) لا يختلف شيئًا عن أبي سفيان . كما أن عليًّا ( ع ) خليفة محمد ( ص ) لا يفترق عن معاوية بن أبي سفيان . أما إبراهيم وموسى وعيسى والنبيين ( عليهم السلام ) فليسوا إلَّا نظراء أديسن وروسو وماركس . لأولئك مواهب ولهؤلاء مواهب ، فهم جميعًا رسل الله إلى البشرية وليست الرسالة سوى إنجاز تلك المواهب ، سواء كانت في طريق مشروع أم غير مشروع ، يحبها الله أم يبغضها . ويزعمون أن كل كاتب وشاعر ومفكر فهو رسول من عند الله ، أبى الله أم رضي ، ولكل منهم رسالة أحب الله ذلك أم كره .