تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
يتمتع أيضًا بالكرامة والأمن في ظل المجتمع الجاهلي ؛ ذلك لأنه لا يظلم أحدًا أبدًا . ومن لا يَظلم لا يُظلم . ولو أنه ظُلِم ، فلأنه يحتسب مظلمته عند الله ، فإن شقاءه سوف يُخفّف كثيرًا ؛ لأن هناك فرقًا نفسيًّا كبيرًا بين من يعلم بأنَّ بعد هذه الحياة يومًا ينتقم الله فيه من الظالم أضعافًا مضاعفة ، ومن لا يعلم ذلك ؛ فإن الأول يستسلم لما لا بد منه راضيًا بالانتقام الآجل بينما يحترق الثاني بنار الحقد والقلق الذي لا مناص له منها . هذا فيما إذا كان الظالم أقوى منه ، وإن كان أضعف فمن خصال المؤمن العفو عمَّن ظلمه ، وهذا العفو تنازل اختياري عن الحق المشروع فلا يكون شقاءً عليه « 1 » . إذًا فالإيمان يُجنِّب الإنسان من الشقاء المتسبب عن مظالم الناس بعضهم لبعض بطرق ثلاثة : 1 - تشريع نظم تضمن للناس - كل الناس - حقوقهم العادلة . 2 - تحريم الظلم الفردي مهما كان صغيرًا ، ورد المظالم مهما كانت حقيرة . 3 - تسلية النفس المؤمنة بالرضا لما لابد منه في انتظار يوم القيامة . أو العفو عن الظالم لمن انتصر على الظالم ، وهذه معالجة نفسية ، وتلك معالجة خارجية عامة وخاصة . قال الله تعالى في صفة المتقين : الَّذينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرّاءِ وَالضَّرّاءِ وَالْكاظِمينَ الْغَيْظَ وَالْعافينَ عَنِ النّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنينَ ( 134 ) وَالَّذينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ « 2 » . وجاء في الحديث عن الإمام أمير المؤمنين ( ع ) : « إِنَّ لِأَهْلِ الدِّينِ عَلَامَاتٍ يُعْرَفُونَ بِهَا : صِدْقُ الحَدِيثِ ، وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ ، وَالْوَفَاءُ بِالْعَهْدِ ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ ، وَرَحْمَةُ الضُّعَفَاءِ ، وَقِلَّةُ المُؤَاتَاةِ لِلنِّسَاءِ ، وَبَذْلُ المَعْرُوفِ ، وَحُسْنُ الخُلُقِ ، وَسَعَةُ الخُلُقِ « 3 » ، وَاتِّبَاعُ الْعِلْمِ وَمَا يُقَرِّبُ إِلى الله عَزَّ وَجَلَّ ، طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ . . » « 4 » .
هامش
( 1 ) قال رسول الله ( ص ) : « أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ خَلَائِقِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ؟ . الْعَفْوِ عَمَّنْ ظَلَمَكَ ، وَأَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ ، وَالْإِحْسَانِ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْكَ ، وَإِعْطَاءِ مَنْ حَرَمَكَ . وَفِي التَّبَاغُضِ الحَالِقَةُ ، لَا أَعْنِي حَالِقَةَ الشَّعْرِ وَلَكِنْ حَالِقَةَ الدِّينِ » ( مستدرك الوسائل : ج 9 ، ص 9 ) . ( 2 ) سورة آل عمران ، آية : 134 - 135 . ( 3 ) حسن الخلق يعني أن يكون هشًّا بشًّا كريم النفس . وسعة الخلق يعني إلَّا يضيق صدره عند نزول بلاء أو رؤية سيِّئ لا يُلائمه . ( 4 ) بحار الأنوار : ج 64 ، ص 289 . .