إذًا فإن كانت وراء هذه الحياة حياة أخرى فإن المؤمنين هم الفائزون فيها لا ريب في ذلك ، بشهادة الفطرة والوجدان بأن جزاء الخير لا يمكن أن يكون شرًّا .
وفي النصوص التالية شهادة على الفلاح الذي يُحرزه المؤمنون في الآخرة ، ولكن يجب أن نعلم في البدء أنه لا يمكن أن نعتقد - ونحن عقلاء - بأن الله يأمر عباده بطاعته ويعدهم بالجزاء الحسن في الآخرة ثم يُخلف وعده . فلماذا يُخلف ؟ . هل لأنه كان محتاجًا إليهم فأراد أن يخدعهم ليُطيعوه ثم يُخلف وعده ، أم أنه عاجز عن الوفاء لهم بوعده ؟ . سبحانه ! . ليست هذه من صفة الخالق الغني الوهَّاب .
وبعدُ ؛ فلنعرف ما هي حقيقة الفلاح في الآخرة التي أثبتتها النصوص للمؤمنين :
يموت المؤمن بعد أن يرى محله من الجنة ثم تزف روحه إلى جنة البرزخ ، حتى تتمتع بالملاذِّ الروحية . ويؤمن من قبل الملائكة عن أهوال يوم القيامة ، ثم ينتظر في ظل عرش الله حتى يتم الحساب ، ثم تزلف إليه الجنة فيدخلها آمنًا . ويجد على أبواب الجنة مكتوبًا ( للخلود ) ، ويهب له الله خيرات ليست الدنيا بالنسبة إليها إلَّا كالرمل في البادية الفضفاضة ، له سبعمائة ضعف مثل الدنيا ، وله سبعون ألف قبة ، وسبعون ألف قصر ، وسبعون ألف حجلة ، وسبعون ألف إكليل ، وسبعون ألف حلة ، وسبعون ألف حوراء عيناء ، وسبعون ألف وصيف ، وفي الجنة ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، وفيها ملاذّ روحية ، وفيها رضوان الله ، وفيها أمان من النار ، تلك النار التي يصفها جبرئيل ( ع ) للنبي ( ص ) بقوله :
« . . أَوْقَدَ عَلَيْهَا أَلْفَ عَامٍ فَاحْمَرَّتْ ، ثُمَّ أَوْقَدَ عَلَيْهَا أَلْفَ عَامٍ فَابْيَضَّتْ ، ثُمَّ أَوْقَدَ عَلَيْهَا أَلْفَ عَامٍ فَاسْوَدَّتْ ، فَهِيَ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ لَا يُضِيءُ جَمْرُهَا ، وَلَا يَنْطَفِئُ لَهَبُهَا . وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ نَبِيًّا ، لَوْ أَنَّ مِثْلَ خَرْقِ إِبْرَةٍ خَرَجَ مِنْهَا عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ لَاحْتَرَقُوا عَنْ آخِرِهِمْ . وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ جَهَنَّمَ ثُمَّ أُخْرِجَ مِنْهَا لَهَلَكَ أَهْلُ الْأَرْضِ جَمِيعًا حِينَ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ لِمَا يَرَوْنَ بِهِ ، وَلَوْ أَنَّ ذِرَاعًا مِنَ السِّلْسِلَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ وُضِعَ عَلَى جَمِيعِ جِبَالِ الدُّنْيَا لَذَابَتْ عَنْ آخِرِهَا ، وَلَوْ أَنَّ بَعْضَ خُزَّانِ ( جهنم ) التِّسْعَةَ عَشَرَ نَظَرَ إِلَيْهِ أَهْلُ الْأَرْضِ لَمَاتُوا حِينَ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ ، وَلَوْ أَنَّ ثِيَابًا مِنْ ثِيَابِ أَهْلِ جَهَنَّمَ خَرَجَ إِلَى الْأَرْضِ لَمَاتَ أَهْلُ الْأَرْضِ مِنْ نَتْنِ رِيحِهِ . .
» « 1 » .
هذا فلاح المؤمن في الآخرة ، إنه ينجو من هذه النيران .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 67 ، ص 393 . ولسنا بحاجة إلى ذكاء خارق حتى نُقارن هذه النيران بالقنابل النووية التي تصنعها يد الإنسان فيزول عجبنا ونعلم أنها الجد لا الهزل .