تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
التطلع نور السعادة : هذه هي عوامل الشقاء وهكذا يقضي عليها الإيمان أو يخفف من شقائها ، ولكن الإيمان لا يكتفي بذلك بل يُعطي الفرد نور السعادة ليجعله مفلحًا حقًّا . وذلك أن البشر قد خُلق طموحا لا يكتفي بما تكفيه من ضرورات الحياة حتى يطلب المزيد ؛ ولذلك فهو يحرص على جمع المال حرصًا عجيبًا وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا « 1 » . ليس فقط لأن المال يفي بحاجاته الضرورية ، بل لأنه - حسب اعتقاده - يجعله شيئًا ، كما جاء في المثل ( إذا ملكت شيئًا فقد أصبحت شيئًا ) . وطموحه لا يقتصر على الملاذِّ المادية ، بل إن ملاذَّه الروحية تدعوه إلى النشاط أكثر ؛ فمثلًا : حب المعرفة وحب السيطرة وحب الشهرة قد يبلغ بالبشر حدًّا يُضحي في سبيله بالمال والأهل جميعًا ، وهذا الطموح إن لم يتحقق عمليًّا بقي الإنسان يشعر بفراغ ، وكلما تحقق شيء منه طار فرحًا وغمر نفسه شعور بالسعادة ، وإذا وجَّه الإنسان طموحه إلى حطام الدنيا ازداد شقاء بعد شقاء ؛ لأنه كلما جدَّ في طلب الدنيا اصطدم بقوى خارجية تُوقفه ، بينما إذا وجَّه طموحه نحو العالم الروحي تقدَّم إلى الأمام دون أي اصطدام . والدين يوجّه طموح الإنسان هذا في مجالات ثلاثة مما يجعله سعيدًا متطلِّعًا : 1 - في مجال التحلي بفضائل إنسانية تزيد الفرد قيمة إلى قيمته ورفعة بعد رفعة . 2 - في مجال طلب النعم في الآخرة والتي عرضها كعرض السماوات والأرض مما تمتص تطلعات المؤمنين وتزيد . 3 - في مجال الاتصال بنور الله والقرب من رضوانه الذي يُعطي الإنسان فيضًا من السعادة التي لا تنتهي . وأين تلك السعادة من سعادة الجسم « 2 » . وبكل هذا يؤتي الله المؤمن فلاحه في الدنيا والآخرة ، ويقول : أُولئِكَ عَلى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ « 3 » . الإيمان نبع لا ينضب : كل فرد يريد أن يفعل الخيرات ، بيد أن شهواته النفسية والقوى الخارجية هي التي تمنعه منها وتجرّه إلى اقتراف السيئات . وكثيرًا ما يندم البشر من بعض تصرفاته السيئة ولكنه
هامش
( 1 ) سورة الفجر ، آية : 20 . ( 2 ) قال الله سبحانه وتعالى في صفة المؤمن : في بُيُوتٍ أَذِنَ اللّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فيها بِالْغُدُوِّ وَاْلآصالِ ( 36 ) رِجالٌ لا تُلْهيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ ( سورة النور ، آية : 36 ) . ( 3 ) سورة البقرة ، آية : 5 .