تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨
أما العقل فإنه يدعو إلى المثل العليا والخير ، ويفضلها على الشهوات العاجلة ، ويدعو إلى الطاعة الصادقة ، وأخيرًا إلى الإيمان بالله سبحانه والتسليم له ما دام ذلك كله يؤدي إلى حسن الثواب وحسن المصير ، وما دام ذلك هو الحق والعدل اللذين يأمر بهما العقل . جيم : وليس للإنسان من عمل إلَّا ويتأثر بنشاط إحدى هاتين القوتين ، وبمدى إفساح المجال لواحدة منهما للعمل في ساحة النفس تنسحب الأخرى ؛ للطبيعة المضادة بينهما ، فإذا اختار الإنسان الجهل على العقل وأطاع الهوى واتَّبع الشهوات وترك الحق والعدل فقد أمات عقله ؛ لأنه لم يترك مجالًا لطاعته في اتِّباع الهدى والعمل بالحق والعدل ، فيتغلب لديه الجهل على العقل . ويكون العكس تمامًا إذا اختار العقل على الجهل ؛ حيث لا يدع مجالًا للجهل ولا لحب الشهوات العاجلة واللذائذ القريبة المتواضعة . دال : وتبقى النفس البشرية مُتوتِّرة بفعل هذه المنازعة حتى يتغلب أحد الجانبين على الآخر بالعمل به أو التفكير فيه ، فإذا غلب الجهل على العقل ذهب نور العقل وطبع على النفس بطابع الكفر ، وأصبح الفرد - حينئذ - لا يسمع ولا يُبصر ولا يفقه شيئًا . إن هذا الفرد لا يُرجى منه الخير أبدًا ، إذ إن القوة التي كان يعمل بها الخير قد ذهبت إلى غير رجعة ، وتُدعى هذه الحالة في منطق الدين بالجحود والعناد . وإذا غلب العقل على الجهل تضاءل الجهل في النفس وانكمش ظل الهوى عنها ، وضعف حب الشهوات فيها ، وكان كل نشاط الفرد ذا صبغة واحدة هي صبغة العقل ، وتُدعى هذه الحالة في منطق الدين بالإيمان . فالإيمان إذًا حالة تنشأ من توجيه كافة نشاطات النفس بالعقل وتغليب جانبه على الجهل بحيث لا تبقى له قوة تُوجِّه نشاط الفرد بتوجيه منحرف ، وهذا هو الذي يُشير إليه الإمام علي ( ع ) حيث يقول : « الْعَقْلُ وَالشَّهْوَةُ ضِدَّانِ ، وَمُؤَيِّدُ الْعَقْلِ الْعِلْمُ ، وَمُزَيِّنُ الشَّهْوَةِ الهَوَى ، وَالنَّفْسُ مُتَنَازَعَةٌ بَيْنَهُمَا فَأَيُّهُمَا قَهَرَ كَانَتْ فِي جَانِبِهِ » « 1 » . والسؤال الآن : كيف يتم تغليب جانب في النفس على جانب ، وكيف يُصبح فرد مؤمنًا وآخر جاحدًا ؟ . ينبغي أن نُؤكِّد الحرية التامة التي يتمتَّع بها البشر في اختيار الإيمان أو الجحود . وأن
هامش
( 1 ) غرر الحكم ، حكمة رقم : 448 .