ما نذكره من دوافع الإيمان والجحود لا تسلب النفس إرادتها ، بل لا تعدو أن تكون أداةً ضاغطة عليها فقط .
بعد هذا نقول : إن الإيمان يكمل بالتسليم المطلق للحق ، ولا يتم التسليم التام لو لم يتمتع الفرد بواحدة من ثلاث :
- إرادة صلبة ؛
- أو عقل كامل ؛
- أو شهوة ضعيفة .
ألف : فالإرادة الصلبة تُتجاوز كل السلبيات الداخلية وتُقهر النفس قهرًا حتى ولو لم يكن العقل تامًّا أو الشهوة ضعيفة .
وقوة الإرادة ناشئة عن التربية العائلية أو التربية الذاتية . فمن أراد العظائم أصبحت إرادته عظيمة هي الأخرى .
والتوجيه الخارجي قد يُؤثِّر في هذا الحقل لو ركَّز المُوجِّه كل نُصحة على ثقة الإنسان بذاته وتحسسه بشخصيته مما يشحذ عزيمته ويقوي إرادته .
باء : والعقل يزيد باتِّباعه والتفكُّر في أحكامه والمزيد من مدارسة العلم ومصاحبة ذوي العقول . والتوجيه الخارجي يُعطي قوة للعقل بالتذكرة المستمرة بحقائق الكون واستعراض آيات الله فيها ، وشرح أسمائه الحسنى . وإذا تم العقل في الفرد لم يرضَ لنفسه بالدنيا ولا بالمخلوق ، واستشرف الآفاق البعيدة متطلعًا إلى الأهداف السامية . وقال : ما دامت الآخرة خيرًا لي من الأولى فإن اختياري الدنيا عجز وصغار ، وما دام الله أكبر من كل شيء فإن رضاي بغيره إلهًا أو حبيبًا ذل وخساسة ، وما دمت قد خُلقت لكي أكون عظيمًا عند الله فَلِمَ أفضل اللذات العاجلة على التقوى ؟ ! .
وهكذا جاء عن الرسول ( ص ) : «
وَالْعَقْلُ أَصْلُ دِينِي . .
» « 1 » .
جيم : وإنما تضعف الشهوات بتوجيه النفس إلى أبدالها . فالشهوة القصيرة الأمد السريعة الزوال المشوبة بالألم خير أم ما عند الله من النعيم الدائم الخالص ؟ .
هامش
( 1 ) مستدرك الوسائل : ج 11 ، ص 173 .