هكذا تُقارن كل شهوة في الدنيا بلذة في الآخرة فتضعف الشهوات .
والواقع أن النفس تستبدل بها شهوات أسمى منها . وإنما هو اختيار بين شهوتين عاجلة وآجلة تمامًا ، كمن يُغري نفسه بالصحة واللذة الدائمة حينما يُريد أن يتجنب ما يضر بنفسه ، ويقول : لو أكلت هذه اللقمة فصحيح أني سأحصل منها على لذة ولكنها ستمنع عني ألف لقمة هي ألذ وأطيب من هذه . وهكذا يُفضِّل الآخرة على الأولى .
ولو تدبرنا قليلًا في النصوص الشرعية إذًا لعرفنا أن الدين قد استخدم الطرق الثلاثة في بعث النفوس إلى الإيمان . فقد وجَّه الإنسان إلى نفسه وعرَّفه بكرامته عسى أن يُقوِّي ذلك إرادته ، ومن ناحية أخرى ذكَّره بآيات الله في الكون لكي يزيد عقله ، ومن ناحية ثالثة وجَّه أنظاره إلى جنات عدن تجري من تحتها الأنهار ، وأنهار من عسل لذة للشاربين ، وحور عين كأنهن اللؤلؤ والمرجان ، لذة للناظرين .
وكل هذه الأمور تُشكِّل حقيقة الإيمان . وفيما يلي نص بشأنها :
جاء في السنة المروية عن الإمام أمير المؤمنين ( ع ) :
« الْإِيمَانُ عَلَى أَرْبَعِ دَعَائِمَ : عَلَى الصَّبْرِ ، وَالْيَقِينِ ، وَالْعَدْلِ ، وَالْجِهَادِ .
وَالصَّبْرُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ : عَلَى الشَّوْقِ ، وَالشَّفَقِ ، وَالزُّهْدِ ، وَالتَّرَقُّبِ . فَمَنِ اشْتَاقَ إِلَى الجَنَّةِ سَلَا عَنِ الشَّهَوَاتِ ، وَمَنْ أَشْفَقَ مِنَ النَّارِ اجْتَنَبَ المُحَرَّمَاتِ ، وَمَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا اسْتَهَانَ بِالمُصِيبَاتِ ، وَمَنِ ارْتَقَبَ المَوْتَ سَارَعَ إِلَى الخَيْرَاتِ « 1 » .
وَالْيَقِينُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ : عَلَى تَبْصِرَةِ الْفِطْنَةِ ، وَتَأَوُّلِ الْحِكْمَةِ ، وَمَوْعِظَةِ الْعِبْرَةِ وَسُنَّةِ الْأَوَّلِينَ . فَمَنْ تَبَصَّرَ فِي الْفِطْنَةِ تَبَيَّنَتْ لَهُ الْحِكْمَةُ ، وَمَنْ تَبَيَّنَتْ لَهُ الْحِكْمَةُ عَرَفَ الْعِبْرَةَ ، وَمَنْ عَرَفَ الْعِبْرَةَ فَكَأَنَّمَا كَانَ فِي الْأَوَّلِينَ .
وَالْعَدْلُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ : عَلَى غَائِصِ الْفَهْمِ ، وَغَوْرِ الْعِلْمِ ، وَزُهْرَةِ الحُكْمِ وَرَسَاخَةِ الْحِلْمِ . فَمَنْ فَهِمَ عَلِمَ غَوْرَ الْعِلْمِ ، وَمَنْ عَلِمَ غَوْرَ الْعِلْمِ صَدَرَ عَنْ شَرَائِعِ الحُكْمِ ،
هامش
( 1 ) إن معطيات هذه المقطوعة تنسجم مع السبب الثالث للإيمان وهو ضعف الشهوات بأن يستبدل بها رغبات الآخرة ، وكشف نعيمها والحذر من جحيمها والزهد عن الدنيا ترقُّبًا للآخرة . والمقطوعة هذه آية في الروعة والعمق ، حيث لم تغادر واحدة من لفتات النفس الشاردة إلَّا أحصتها وجعلت أمامها ما يُناسبها من تطلعات البشر نحو عالم أفضل .