تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
صفات اللَّه : لقد سبق القول في أسماء الله الحسنى ، وهناك قلنا : إن التفكُّر في الخلق يهدينا إلى أن في كل شيء مخلوق صغير أو كبير جوانبَ كمال وجوانبَ نقص ، جوانب قوة وجوانب ضعف . . وقلنا : إن ذات المخلوقات إنما هي العجز والضعف والنقص ، وما فيها من القدرة والمعرفة والكمال فهي موهوبة لها من لدن القادر القوي بالغ الكمال . وعلى هذا فكل ما نرى من صفة كمال في الخلق تهدينا إلى أن الله الذي وهبها يملك ما لا نهاية له منها ، وكل ما نرى في الخلق من صفة النقص نعلم أن بارئها مُنزَّه عنها . إذ - كما سبق - لا يمكن أن يجتمع النقص الذاتي والكمال الذاتي في شيء واحد ، ويُبّين هذه الحقيقة الإمام الصادق ( ع ) حيث يقول : « أَمَّا التَّوْحِيدُ فَأَلَّا تُجَوِّزَ عَلَى رَبِّكَ مَا جَازَ عَلَيْكَ . . » « 1 » . ويقول الإمام علي ( ع ) : « الحَمْدُ لله الَّذِي لَا يَمُوتُ وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ ، لِأَنَّهُ كُلَّ يَوْمٍ فِي شَأْنٍ مِنْ إِحْدَاثِ بَدِيعٍ لَمْ يَكُنِ . الَّذِي لَمْ يُولَدْ فَيَكُونَ فِي الْعِزِّ مُشَارَكًا ، وَلَمْ يَلِدْ فَيَكُونَ مَوْرُوثًا هَالِكًا ، وَلَمْ تَقَعْ عَلَيْهِ الْأَوْهَامُ فَتُقَدِّرَهُ شَبَحًا مَاثِلًا ، وَلَمْ تُدْرِكْهُ الْأَبْصَارُ فَيَكُونَ بَعْدَ انْتِقَالِهَا حَائِلًا . الَّذِي لَيْسَتْ لَهُ فِي أَوَّلِيَّتِهِ نِهَايَةٌ ، وَلَا فِي آخِرِيَّتِهِ حَدٌّ وَلَا غَايَةٌ . الَّذِي لَمْ يَسْبِقْهُ وَقْتٌ ، وَلَمْ يَتَقَدَّمْهُ زَمَانٌ ، وَلَمْ يَتَعَاوَرْهُ زِيَادَةٌ وَلَا نُقْصَانٌ ، وَلَمْ يُوصَفْ بِأَيْنٍ وَلَا بِمَا وَلَا بِمَكَانٍ . الَّذِي بَطَنَ مِنْ خَفِيَّاتِ الْأُمُورِ ، وَظَهَرَ فِي الْعُقُولِ بِمَا يُرَى فِي خَلْقِهِ مِنْ عَلَامَاتِ التَّدْبِيرِ . الَّذِي سُئِلَتِ الْأَنْبِيَاءُ عَنْهُ فَلَمْ تَصِفْهُ بِحَدٍّ وَلَا بِبَعْضٍ ، بَلْ وَصَفَتْهُ بِأَفْعَالِهِ ، وَدَلَّتْ عَلَيْهِ بِآيَاتِهِ . لَا تَسْتَطِيعُ عُقُولُ المُتَفَكِّرِينَ جَحْدَهُ ؛ لأَنَّ مَنْ كَانَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ فِطْرَتَهُ وَمَا فِيهِنَّ وَمَا بَيْنَهُنَّ ، وَهُوَ الصَّانِعُ لَهُنَّ ؛ فَلَا مَدْفَعَ لِقُدْرَتِهِ الَّذِي بَانَ مِنَ الخَلْقِ ، فَلَا شَيْءَ كَمِثْلِهِ ، الَّذِي خَلَقَ الخَلْقَ لِعِبَادَتِهِ ، وَأَقْدَرَهُمْ عَلَى طَاعَتِهِ بِمَا جَعَلَ فِيهِمْ ، وَقَطَعَ عُذْرَهُمْ بِالحُجَجِ ، فَعَنْ بَيِّنَةٍ هَلَكَ مَنْ هَلَكَ ، وَعَنْ بَيِّنَةٍ نَجَا مَنْ نَجَا . . » « 2 » . وهكذا تكون الوسيلة الوحيدة لمعرفة صفات الله الجميلة وأسمائه الحسنى ، تقديسه عن شبه المخلوقين ، وتسبيحه عن كل نقص يُرى فيهم ، وتكبيره عن كل عجز يوصفون به سبحانه ! .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 4 ، ص 264 . ( 2 ) بحار الأنوار : ج 4 ، ص 264 .