الجواب : نحن لا ننكر النظام والمادة ، ولكن من خلق المادة والنظام ؟ إن العقل يحكم بأن المادة لابد لها من خالق وأن النظام لابد له من مُدبِّر عليم ، وهل يمكن أن يُنكر الإنسان شيئا بمجرد أنه لا يراه ؟ .
4 يقولون : إن الإيمان بالله نشأ من ضعف الإنسان أمام قوى الطبيعة القاهرة في تلك الحقب المعتمة من تاريخ البشر ، حينما لم يكن له ملجأ من الحر والبرد ، ولا مُنقذ من المرض والعاهة ، ولا وسيلة يدفع بها عادية الأعاصير أو يقهر بها المسافات في البر والأمواج في البحر . أما اليوم فقد قهر الإنسان بعقله العملاق الطبيعة وأخضعها لإرادته الجبارة فلم يبقَ ما يبرر الإيمان بالله .
الجواب : بالرغم من أن هذه المغالطة تشغل فكر الرجل العصري في كل مكان اعتزازًا بنفسه وغرورًا بإنجازاته ومكاسبه ، فإنها تافهة جدًّا . وأول تساؤل نوجهه إلى أنصار هذه الفكرة هو : هل تخلص البشر نهائيًّا من أسباب الضعف التي كانت قديمًا تدعوه إلى التوسل إلى الله ؟ . أَوَلَيست الأمراض تتصاعد خطورةً وتتزايد عددًا ؟ . أَوَلَيست الوفاة ، وهي أشد الحوادث هولًا ، لا تزال تهدم أحلام البشر ؟ . أَوَلَيست الحروب تُشكِّل زاوية خطرة في بناء الحياة السعيدة ؟ . أَوَلَيست الحوادث الطبيعية لا تزال تقوى على البشرية ؟ بل أليس الخضوع للإقليمية والمصلحية والطائفية والعنصرية ضعف في الإنسان لم يستطع معالجته حتى الآن ؟ .
والتساؤل الثاني هو : هل يقضي تقدُّم العلم بعدم الإيمان ؟ أيزعمون أن الله يجب أن يُعرف في غرفة الاختراع أو تحت مجاهر كهربائية فإذا لم يوجد وجب إنكاره ، أم أن تقدُّم العلم دليل إلى الله ؟ .
والحقيقة أن اتِّجاه الحضارة اليوم اتجاه كافر وإلَّا كان تقدُّم العلم سببًا لزيادة الإيمان لأنه :
أولًا : يجعل البشر يعتقد بأن وراء أفقه آفاقًا ، وأن ما وصل إليه فكره ليس المنتهى الأخير كما كان يعتقد الأولون .
ثانيًا : يكشف أسرار الطبيعة التي تدلّ على اتقان الصنع وإحكام الخلق ؛ ولذلك فإن مشاهير العلماء أصبحوا أول المؤمنين بالله . ونكرِّر : هل العلم يتأثر بتقدُّم الكشوفات ؟ .
الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 170
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٧٠