تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
في مغزاه بأن تتوقع إعداد معجم ضخم نتيجة انفجار يقع في المطبعة دون فعل فاعل . إن احتمال أن يكون الضرب على آلة كاتبة على يد أمي سببًا لقصيدة شكسبير أبعد من أن يُشافى كل مرضى العالم بتناول مواد تقضي على أمراضهم صدفةً ؛ كأن يذهب أحدهم إلى الحقل ويتناول حشيشة وصدفة يكون فيها دواؤه ، ويذهب الآخر إلى البحر فيتناول صدفة سمكة يكون فيها شفاؤه ، ويذهب الثالث إلى الصحراء وتلدغه أفعى يكون فيه دواء مرضه ، وهكذا كل مريض في العالم وفي يوم واحد يشفى صدفةً بسبب مجهول . لو حدث مثل ذلك لما تمالكنا عن القول بأن معجزة إلهية كبيرة قد وقعت . ثم كيف يمكن أن تكون الحياة صدفة مع أن الخلية الحية تحتوي على أجزاء منها البروتين ، واحتمال أن يحدث بروتين واحد صدفة يتطلب - حسب نظام الاحتمالات - مادة يزيد مقدارها ألف مليون مرة عن المادة الموجودة ؟ . وأما المدة التي يمكن فيها ظهور نتيجة ناجحة لهذه العملية فهي أكثر من 1 - 243 عامًا ، أي مائتان وثلاثة وأربعون صفرًا أمام عشر سنين . وبعد هذا هل يمكن القول بتكوُّن كل العالم صدفة ؟ . جيم : وإن قلتم بالضرورة ، أي أن المادة من طبيعتها ومن قانونها الاجتماع . قلنا : فلماذا كان ذلك حادثًا ولم يكن منذ القدم كذلك ؛ فإن المادة قديمة ( كما تدَّعون ) وقوانينها قديمة فيجب أن يكون هذا العالم من قديم ، ويجب أن تكون ما فيها من صور قديمة ، وليس الواقع كذلك قطعًا . وإن قلتم : إنما صارت كذلك بإرادة واختيار ، قلنا : ممن كانت الإرادة ؟ من الطبيعة أم من المادة أم من ذات أغلب وأقوى منهما ؟ . إذًا دعنا ننظر : ما هي الطبيعة ؟ ! . إن هي إلَّا النظام ( وهل النظام عاقل ؟ ) . وما هي المادة ، أليست المادة هذه الذرات ، فهل هي الإرادة ؟ . ارجعوا إلى عقولكم وفكِّروا . ثم لماذا بدلت صورتها بعد أن كانت في صورة واحدة ؟ . ثم من بدل صورتها ؟ . الضرورة أم الإرادة أم بالصدفة ، وكل ذلك من سفه الفكر . 3 - ويقولون : لقد تغلغلنا في أعماق المادة وكشفنا غورها البعيد فلم نَرَ غير المادة شيئًا وغير النظام مربيًا ومدبرًا .