تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
ليست بعلم إنما هي معلوم ، ولي ( علم ) بها . وهكذا الوجود والموجود . الكون له وجود هذا صحيح ، وهو كما نقول : إن الإنسان له علم ، ولكنه ليس بوجود كما أن الإنسان ليس بعلم . ولا يزال الأمر غامضًا فنقول : إذا كان الكون هو الوجود فلماذا ينعدم ، لماذا يكتنفه العدم ، لماذا هو محدود ، لماذا هو حادث ، لماذا هو متناقض ؟ . يقرر علم الفلك مثلًا : أن الكون يتسع بالتسلسل الدائم ، وأن كل مجاميع النجوم والأجرام والأجسام الفلكية تتباعد بسرعة مدهشة بعضها عن بعض . ويمكن أن تُفسَّر هذه الحالة تفسيرًا جيدًا إذا سلَّمنا بوقت للبدء كانت فيه كل الأجزاء التركيبية مركزة ومجتمعة مع بعضها ثم بدأت الحركة والحرارة . ويقدر العلماء أن هذا الكون قد وجد نتيجة ( لانفجار ) هائل وقع منذ ( 000 . 000 . 000 . 5000 سنة ) « 1 » . هكذا تتباعد الأجرام وتدل على أنها لم تكن ثم وُجدت . والسؤال هنا أنه ما دامت طبيعتها ليست بطبيعة الوجود والحركة ، والدلالة على ذلك أنها لم تكن ثم كانت ، فليس من الممكن أن تعود طبيعتها إلى طبيعة الحركة . وهكذا نستدل على أنها ليست بحقيقة الوجود ! . وهنا يكمن سر الأمر ، لو كانت حقيقة الكون هي الوجود لم يصح أن نقول : إن الكون كان معدومًا ثم وُجد مع أنه كذلك ، فقد كان معدومًا في بعض الأزمان ، بل مجرد التغيُّر فيه عدمٌ من جهة ووجودٌ من جهة أخرى . وبتعبير موجز ومركز : إن الكون كان عدمًا ، فهو ذاتي العدم . ولا يمكن أن يتحوَّل ذاتي العدم إلى ذاتي الوجود ، فإنما تتحوَّل الأشياء بالإبداع إلى عرضي الكيان يحتاج في بقائه إلى سبب كما يحتاج وجوده إلى سبب . وإن هيغل قد انحرف عن المنهج حينما تصوَّر أن ما يراه حوله من سماء وأرض وبشر هو الوجود . ثم تصور أنه ليس بوجود مطلق فقال : « إنه معدوم » . ثم رأى أنه بعيد عن الفطرة ( أي معدومية الكون ) فقال : « انتقال الوجود إلى العدم ، ولكن العدم هو الوجود . . » « 2 » .
هامش
( 1 ) الإسلام يتحدى : ص 78 . ( 2 ) إمام ، د . إمام عبد الفتاح ، المنهج الجدلي عند هيجل ، ص ، ط / م ، الناشر : دار التنوير ، لبنان ، بيروت .
الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 123 | السيد محمد تقي المدرسي