وإذا كان هيغل قد أُوتي قدرًا أكبر من قوة الملاحظة لعرف أن الوجود لا يمكن أن يكون عدمًا ، وأن الكون موجود بالوجود ؛ أي أن له قدرًا من حقيقة الوجود . وبذلك كان ينفي مشكلته تمامًا .
ولا نريد الاسترسال في بحث الوجود الذي يحتاج إلى سفر ضخم ، ولكن نريد أن نضع أيدينا على منطلق الخطأ في نظرية الميكنة الفلسفية ، وهو بتطبيق مبدأي الذاتية والوجود في الكون ، وهو يعرف بالتدبر في حقيقة الخلق .
ما هو الخلق ؟ .
إذا كان الكون ليس بحقيقة الوجود وأنه كان عدمًا ، فكيف انقلب من العدم إلى الوجود ؟ . وهل يمكن أن يتحوَّل الشيء عن طبيعته الذاتية ، العدم يعني لا شيء فكيف ينقلب إلى شيء ؟ . هذا لا يُتصوَّر ، فليس الكون قد انقلب من العدم إلى الوجود في عملية مجهولة . . كلَّا .
بل إن الله تعالى أعطى الكون الوجود ، ويُعطيه بصورة مستمرة . فالكون قائم بقيُّوم وموجود بنور الحي الذي لا يزول . وعلى هذا فليس الكون الذي نشاهده ونلامسه موجودًا بصورة مستقلة ودائمة ، بل هو موجود بنور الوجود الذي يحفظه عن الزوال .
إن الوجود ، نور يُرَشُّ على الكون فيصبح موجودًا . وإذا أردنا أن نُعبِّر عن هذا الواقع بتعبير علمي لقلنا : الكون حركة تستمر بمحرِّك خارجي ، لو توقَّف عنه لتوقَّفت أي زالت .
وهنا لا تتبخر فكرة الكثافة في الوجود والاستمرارية في حركته فحسب ، مما تنسف قاعدة الميكنة في الوجود ، بل وتهدينا إلى الخطوط العريضة للفلسفة الواقعية التي تُطابق معلوماتنا المتناثرة وهي الفلسفة الإسلامية .
الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 124
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٢٤