تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠
إن الوجود هنا تعبير عن كلمة المادة - التي عبر بها الفلسفة الحديثة - والعقل هو النظام الموجود فيها . ويقول أرسطو : فلابد لهذه المُتحرِّكات من مُحرِّك ولابد للمُحرِّك من مُحرِّك آخر مُتقدِّم عليه ، وهكذا حتى ينتهي العقل إلى مُحرِّك بذاته أو مُحرِّك لا يتحرك ؛ لأن العقل لا يقبل التسلسل في الماضي إلى غير نهاية . ولكن لا يعني أن يكون المُحرِّك الأول دائمًا في تحريكه ، بل قد يكون قد حرَّك الشيء ورفع يده عنه ، بل هذا هو الواقع . إذ إن هذا المُحرِّك سابق للعالم في وجوده سبق العلة لا سبق الزمان كما تسبق المقدمات نتائجها في العقل ولكنها لا تسبقها في الترتيب الزمني . وقد أفرط أرسطو ، حتى قال : « إن الله - جلَّ وعلا - لا يعلم الموجودات لأنها أقل من أن يعلمها ، وإنما يعقل الله أفضل المعقولات ، وليس أفضل من ذاته ؛ فهو يعقل ذاته ، وهو العاقل والعقل والمعقول ، وذلك أفضل ما يكون » « 1 » . ويغلو أفلاطون أحيانًا فيقول : « إن الله لا يشعر بذاته ؛ لأنه لا يُميِّز ذاته من ذاته فيعرفها ، ولكنه لصفاء وجوده يتنزه عن ذلك التمييز ويتنزه عن ذلك الشعور » « 2 » . إن هذه الأفكار تُصوِّر الله سبحانه تصويرًا سلبيًّا مطلقًا ، وتعتبر الوجود وما فيه من الحركة يجري بعيدًا عن إرادة الله سبحانه ، وعن علمه وقدرته . ولقد صوَّر القرآن الكريم فلسفة هؤلاء بالقول : وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْديهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ « 3 » . وفي فلاسفة المسلمين من اتَّبع أفلاطون وعزل الحي القيوم عن مجال الكون ، ورأى أن الوجود حقيقة ثابتة والحركة جزء من طبيعته ، وأن هذه الحركة تسير قُدُمًا إلى أعلى بصورة ذاتية جوهرية . ومن نتائج هذه الفكرة عزل المبدأ عن الألوهية والهيمنة على الكون ، وعزله عن التشريع للإنسان ؛ لأنه ليس بقادر سبحانه ولا عالم بطبيعة ما خلق ، تعالى الله عما يصفون ! ! . والمعجزة خرافة ، والوحي إيحاء نفسي ، والمعاد ليس كما تصفه ديانات السماء ، وإنما
هامش
( 1 ) فروغي ، محمد علي ، سير حكمت در أروبا ، ج ، ص . فخري ، ماجد ، أرسطو طاليس ، ص . ( 2 ) راجع جمهورية أفلاطون ، ترجمة حنا خباز . ( 3 ) سورة المائدة ، آية : 64 .