هذه الحقيقة أيضًا ، فالمواد الداخلة تدفع بالمواد المتبقية لإفساح المجال لها ، ولولا التناقض لاستقرتا بأمان ! .
5 - والنقطة الوحيدة التي نُريد أن نُركِّز عليها من الفلسفة الميكانيكية - والتي تُعتبر جوهر الفلسفة فيما يرتبط بالثقافة البشرية - تكمن في أن الحركة إذا وُجدت دامت . وسنُبيِّن قريبًا بإذن الله ، علاقة هذه الفكرة بالثقافة ، أما الآن فينبغي أن نعرف معنى هذه الفكرة وحجتها .
معنى هذا المبدأ أن للكون خالقًا قديرًا أوجده وفصَّله أجزاءً ، ودبَّره بقوانين دقيقة ومتوازنة ، والتي منها قوانين التفاعل المتبادل الذي يقضي بأن تكون مادة الكون خاضعة لعدة نُظُم دقيقة تنقل الطاقة من جزء إلى جزء ثم تعيدها إلى ذلك الجزء ، وهكذا تتحرَّك في عمليات دورية مستمرة .
ومثل ظاهر لذلك ، دورة ( المياه ) التي تتبخر من البحار بفعل الحرارة ، وتتحوَّل إلى أمطار ، ثم تنتقل إلى أنهار ، ثم وأخيرًا تسيل راجعة إلى البحار ، وهكذا . . وشَبَّهَ أحد الفلاسفة الميكانيك ، الكون بساعة آلية الحركة ، صنعها القدير وجعلها هكذا تتحرك .
واحتج هؤلاء لذلك بأمرين :
ألف : ففي حقل الوجود خلق الله مادة الكون فلا زالت مستمرة موجودة إلى الأبد . وقالوا : إن تلك القوة التي حوَّلت العدم إلى وجود في عملية مهولة ، جعلت منه حقيقة مستمرة لم نجد فيها حاجة إلى خلق مستمر .
وظواهر الكون تكشف لنا بوضوح عن ذلك ، فالبناء الفخم يُشيِّده البناؤون ثم يدعونه ويبقى . والسيارة الضخمة يُبدعها صانعوها وتبقى مستمرة ، وهكذا غيرها . وهذا دليل على استمرارية وجود الأشياء .
ب - - اء : وفي حقل الحركة التي تحكم مسيرة الوجود ، قالت الميكانيكية : إن الأجسام الساكنة والمُتحرِّكة تبقى على وضعها إلى أن تؤثر عليها قوة خارجية . والدليل على ذلك أننا نرى بقاء حركة إطار السيارة الفارغ على أرض مستوية ، بقاء حركته بعد الدفع بضعة لحظات . ولدى تقليل وزن الإطار واستواء الأرض وتخفيف الضغط الخارجي أكثر فأكثر يتحرك الإطار مدة أطول . وربما نستطيع أن نحصل على حركة لا تنتهي في الإطار بتهيئة
الفكر الإسلامي (مواجهة حضارية) — صفحة 118
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١١٨