أَوَلم يرفض إبقاء معاوية على إمارة الشام مدةً من الزمن يستقر فيها الأمر له ثم يعزله كما أشار عليه البعض ، لأنه كان يرفض الغدر ؟ .
وقد قال مرة : « وَاللهِ مَا مُعَاوِيَةُ بِأَدْهَى مِنِّي ، وَلَكِنَّهُ يَغْدِرُ وَيَفْجُرُ ، وَلَوْلَا كَرَاهِيَةُ الْغَدْرِ لَكُنْتُ مِنْ أَدْهَى النَّاس » « 1 » .
ويروي التاريخ أن كل الملتحقين بمعاوية ممن كان مع الإمام علي عليه السلام هربوا من عدالته ، واستراحوا إلى محاباة معاوية ومداراته . وكذلك فقل : والذين أَثْرَوْا على عهد الخليفة الثالث ومثلهم ثراءً فاحشًا على حساب المحرومين ، وخشوا من محاسبة الإمام علي لهم . الذين كانت بأيديهم ثروات المسلمين ، من بيت المال ، وأرادوا الاستئثار بها . وكذلك الذين كانوا يتصورون المجتمع الإسلامي كالجاهلية يأكل القويُّ العزيزُ فيه الضعيفَ الذليلَ ، ولم يُعجبهم شعار الإمام عليه السلام :
« الذَّلِيلُ عِنْدِي عَزِيزٌ حَتَّى آخُذَ الحَقَّ لَهُ ، وَالْقَوِيُّ عِنْدِي ضَعِيفٌ حَتَّى آخُذَ الحَقَّ مِنْهُ » « 2 »
. وكذلك هرب من عدله الذين كانوا يرتكبون جرائم يستحقون عليها الحد ، والذين كانوا يبحثون عن جو التسامح في دين الله ، يسمح لهم ارتكاب بعض الجرائم كإقامة الحفلات الماجنة ومعاقرة الخمور .
كل أولئك كانوا يتسللون إلى معاوية ويُشفق عليهم الإمام عليه السلام ، لأنهم يهربون من النور إلى الظلام ، ومن العدالة الشاملة إلى مجتمع الظلم الزائل .
ولكنه لم يغير سياسته من أجل استمالتهم . والتاريخ يحفل بمئات الحوادث التي تروي لنا قصة ذلك الركن الشديد ، الذي تتراجع عنه عواصف الضغط الاجتماعية ، قصة ذلك الصلد الأصم الذي تتكسر عنده كل أمواج
هامش
( 1 ) نهج البلاغة ، الخطبة 200 .
( 2 ) نهج البلاغة الخطبة ( 37 ) .