فَوَقَفْتُ بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ الجَبَّارِ ، قَدْ أَسْلَمَنِي الْأَحِبَّاءُ ، وَرَحِمَنِي أَهْلُ الدُّنْيَا ؛ لَكُنْتَ أَشَدَّ رَحْمَةً لِي بَيْنَ يَدَيْ مَنْ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَة .
فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : فَوَاللهِ مَا رَأَيْتُ ذَلِكَ لِأَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله » « 1 » .
ولأن إمامنا عليه السلام كان أشد حبًّا لربِّه وأكثر أُنْسًا به وشوقًا إليه ، كان يُحِبُّ لقاء ربه ، ولا يبالي بالموت . فقد جاء في حديث أنه كان يطوف بين الصفين بصِفِّين في غلالة « 2 » ، فقال الحسن عليه السلام : « مَا هَذَا زِيَّ الحَرْبِ » ، فقال :
« يَا بُنَيَّ ! إِنَّ أَبَاكَ لَا يُبَالِي وَقَعَ عَلَى المَوْتِ أَوْ وَقَعَ المَوْتُ عَلَيْهِ »
. وحينما علاه أشقى الآخرين بالسيف هتف عاليًا : « فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَة » .
وقد كان عليه السلام يتمنى الشهادة ، ويكرر هذه الكلمة باستمرار :
« مَا يَنْتَظِرُ أَشْقَاهَا أَنْ يَخْضِبَهَا مِنْ فَوْقِهَا بِدَم » ! .
لقد كان يعتبر الشهادة أسمى الطرق إلى الله ولقائه . فإذا وَفَّقَ الله لها عبدًا فتلك نعمة كبرى لا بدّ أن يشكره عليها .
يقول الإمام عليه السلام : « لَمَّا أَنْزَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ قَوْلَهُ : ألم ( 1 ) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ « 3 »
عَلِمْتُ أَنَّ الْفِتْنَةَ لَا تَنْزِلُ بِنَا وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله بَيْنَ أَظْهُرِنَا فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ مَا هَذِهِ الْفِتْنَةُ الَّتِي أَخْبَرَكَ اللهُ بِهَا ؟ . فَقَالَ : يَا عَلِيُّ إِنَّ أُمَّتِي سَيُفْتَنُونَ مِنْ بَعْدِي .
فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ! أَوَلَيْسَ قَدْ قُلْتَ لِي يَوْمَ أُحُدٍ حَيْثُ اسْتُشْهِدَ
هامش
( 1 ) بحار الأنوار ، ج 41 ، ص 13 .
( 2 ) الغلالة : ثوب رقيق يلبس تحت الثوب أو تحت الدرع .
( 3 ) سورة العنكبوت ، الآية : 1 - 2 .