وقد بيَّن فلسفة ذلك في قصة أخرى حيث بلغ معاوية أن شاعرًا من أصحاب الإمام عليه السلام كان اسمه النجاشي قد هجاه ، ولعل معاوية كان يعرف أنه يشرب الخمر ، فدسَّ قومًا شهدوا عليه عند الإمام أنه شرب الخمر ، فأخذه وحدّه .
فغضب جماعة على الإمام عليه السلام في ذلك - وكان بينهم طارقبن عبد الله الفهدي - فقال : « يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ مَا كُنَّا نَرَى أَنَّ أَهْلَ المَعْصِيَةِ وَالطَّاعَةِ وَأَهْلَ الْفُرْقَةِ وَالْجَمَاعَةِ عِنْدَ وُلَاةِ الْعَقْلِ وَمَعَادِنِ الْفَضْلِ سِيَّانِ فِي الْجَزَاءِ ! حَتَّى مَا كَانَ مِنْ صَنِيعِكَ بِأَخِي الْحَارِثِ - يَعْنِي النَّجَاشِيَّ - ، فَأَوْغَرْتَ صُدُورَنَا وَشَتَّتْتَ أُمُورَنَا وَحَمَّلْتَنَا عَلَى الْجَادَّةِ الَّتِي كُنَّا نَرَى أَنَّ سَبِيلَ مَنْ رَكِبَهَا النَّار ( أي اتِّباع معاوية ) .
فقال علي عليه السلام : وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ « 1 » .
يَا أَخَا بَنِي نَهْد ! هلْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ انْتَهَكَ حُرْمَةً مِنْ حرمة [ حُرَمِ ] اللهِ فَأَقَمْنَا عَلَيْهِ حَدَّهَا زَكَاةً لَهُ وَتَطْهِيرًا ؟ .
يَا أَخَا بَنِي نَهْدٍ ! إِنَّهُ مَنْ أَتَى حَدًّا فَأُلِيمَ « 2 » كَانَ كَفَّارَتَهُ .
يَا أَخَا بَنِي نَهْدٍ ! إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ الْعَظِيمِ :
وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى « 3 » » « 4 » .
لقد كانت نظرة الإمام عليه السلام إلى العدل والمساواة مستوحاة من لبِّ الوحي وروح الرسالة ، وقد انعكست على مواقفه ، وفي تأديبه
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 45 .
( 2 ) أي ارتكب ما يوجب عليه الحد فلامه الناس أو آلمه إقامة الحد عليه .
( 3 ) سورة المائدة ، الآية : 8 .
( 4 ) بحار الأنوار ، ج 41 ، ص 10 .