فلما رأى أهل الكوفة منه العزم على أن يزحف بمن بقي معه من أصحابه المخلصين استجابوا له ، وتداعوا للجهاد وخرج المقاتلون إلى النُّخَيْلَةَ حيث كان يعسكر فيه جيش الكوفة . ولبث الإمام عليه السلام : هناك ، ووجَّه واحدًا من قادة جيشه ( زياد بن حفصة ) باتجاه الشام ، يقود طلائع الجيش ، في حين أنه انتظر انسلاخ شهر رمضان ليزحف ببقية الجيش إلى الشام ، لولا أن القدر كان في انتظاره في ليلة التاسع عشر من شهر الله المبارك .
تهدَّمت أركان الهدى :
ليلة التاسع عشر من شهر رمضان المبارك ، تُعتبر من الليالي التي يُرجى فيها أن تكون ليلة القدر . وكان حديث الناس في تلك الليلة في كل مكان حول الحرب ، بعد أن بثَّ الإمام عليه السلام فيهم روح الجهاد ، ودبّ إليهم النشاط والعزيمة .
وفي طرف مسجد الكوفة كان يصلي جماعة من المصريين ، كعادتهم في كل ليلة ، قريبًا منهم عند السرة كان يصلي جماعة باجتهاد . وهناك في بيت متواضع على طرف تستضيف الإمام عليه السلام ابنته فتحمل إليه ، عند الإفطار ، رغيفًا من الخبز ولبنًا وشيئًا من الملح ، فيأمرها برفع اللبن . ولما تناول لُقَيْمَات نهض لصلواته ، وبين الفينة والأخرى كان يتطلع إلى السماء فيقول : هي هي الليلة التي وُعِدْتُ بها . لا كَذَبْتُ ولا كُذِّبت . . ثم يخرج إلى المسجد ، ويدخله من الباب ذاتها الذي اجتمع خلفه أولئك الرجال .
يقول الراوي : خرج عليهم علي بن أبي طالب عليه السلام عند الفجر ، فأقبل ينادي : « الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ » .