كل ذلك ، وأهل الكوفة لا يزالون مختلفين ، إذ كانوا متأخرين قرونًا عديدة عن أفق الإمام عليه السلام ، حيث كان يستحثهم بكل ما أُوتي من بلاغة القول وحكمة الرأي وقوة الطرح ، على الجهاد في سبيل الله وعلى المحافظة على كرامتهم ومكاسب ثورتهم ، فلم يكن يستجيب له إلَّا طليعة القوم .
ولعل الهدف الأسمى للإمام عليه السلام كان ترسيخ أسس الإيمان عند هؤلاء الطليعة الذين هم شيعته المخلصون ، ليمتدَّ الخط الرسالي حاملًا مشعل التوحيد ، عبر الأجيال .
وكان يؤلمه حقًّا تفرُّقُ أهل الكوفة عن حقهم ، واجتماع أهل الشام على باطلهم ، وكان يتمنى أن لَو بادَلَه معاويةُ بأصحابه على أن يدفع منهم عشرة ويأخذ واحدًا من أصحاب معاوية ، وأخيرًا رمى بآخر سهم من كنانته فقال :
« أَمَا إِنِّي قَدْ سَئِمْتُ مِنْ عِتَابِكُمْ وَخِطَابِكُمْ ، فَبَيِّنُوْا لِيْ مَا أَنْتُمْ فَاعِلُوْنَ ، فَإِنْ كُنْتُمْ شَاخِصِيْنَ مَعِيْ إِلَى عَدُوِّيْ فُهُوَ مَا أَطْلُبُ وَمَا أُحِبِّ ، وَإِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ فَاعِلِيْنَ فَاكْشِفُوْا لَيْ عَنْ أَمْرِكُمْ . فَوَاللهِ لَئِنْ لَمْ تَخْرُجُوْا مَعِيْ بِأَجْمَعِكُمْ إِلَى عَدُوِّكُمْ فَتُقَاتِلُوْهُ حَتَّىْ يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ وَهُوَ خَيْرُ الحَاكِمِيْنَ ، لَأَدْعُوَنَّ اللهَ عَلَيْكُمْ وَلَأَسِيْرَنَّ إِلَى عَدُوِّكُمْ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَعِيْ إِلَّا عَشْرَةٌ .
وأضاف قائلًا : « أَجْلَافُ أَهْلِ الشَّامِ أَصْبَرُ عَلَى نُصْرَةِ الضَّلَالِ ، وَأَشَدُّ إِجْمَاعًا عَلَى البَاطِلِ مِنْكُمْ عَلَى هُدَاكُمْ وَحَقِّكُمْ . مَا بَالُكُمْ وَمَا دَوَاؤُكُمْ ؟ . إِنَّ القَوْمَ أَمْثَالُكُمْ لَا يُنْشَرُوْنَ إِنْ قُتِلُوْا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ » « 1 »
.
هامش
( 1 ) سيرة الأئمة الاثني عشر ، ص 499 .