وفيما هم يحاورونه كانت تسقط تمرة من نخلة فيتناولها أحدهم ، فيصيحون به حتى يلفظها . ويمر بهم خنزير فيقتله أحدهم ، فينهرونه ويقولون هذا فساد في الأرض .
وعادوا إلى عبد الله بن خباب وقالوا له : ما تقول في أبي بكر وعمر وعلي قبل التحكيم ، وعثمان في الست السنين الأخيرة من خلافته ؟ . فأثنى عليهم خيرًا . فقالوا : ما تقول في علي بعد التحكيم والحكومة ؟ . فقال : إن عليًّا أعلم بالله ، وأشد توقيًا على دينه ، وأنفذ بصيرة .
فقالوا : إنك لا تتبع الهدى ، بل تتبع الهوى ، والرجال على أسمائهم . ثم جروه إلى شاطئ النهر وذبحوه وجاؤوا بزوجته فبقروا بطنها ، وذبحوها مع ولدها إلى جانبه ! « 1 » .
وهكذا عاث الخوارج فسادًا في الأرض وكادت روح القتال المتمردة على القيم تنتشر فيهم وهم أبناء الجزيرة العربية التي لا تزال أرضها تغلي بالدم والثأر والعصبيات الدفينة .
ولولا أن الإمام عليه السلام بادر وسار إليهم لَكان يُخشى أن تشمل الفتنة كل أطراف بلاده . فقد قصدهم للتوِّ ، ولمَّا بلغ مكانًا قريبًا أرسل إليهم من يأمرهم بدفع قتلة الصحابي الجليل عبد الله بن خباب وزوجته وسائر من قتل من المسلمين على أيديهم . فقالوا له : كلّنا قتلة عبد الله . وأضافوا : ولو قدرنا على علي بن أبي طالب ومن معه لقتلناهم .
فمشى إليهم الإمام بنفسه ، وقال :
« أَيُّهَا العِصَابَةُ ، إِنِّيْ نَذِيْرٌ لَكُمْ أَنْ تُصْبِحُوْا لَعْنَةَ هَذِهِ الأُمَّةِ غَدًا وَأَنْتُمْ صَرْعَى فِيْ مَكَانِكُمْ هَذَا بِغَيْرِ بُرْهَانٍ وَلَا سُنَّةٍ »
.
هامش
( 1 ) سيرة الأئمة الاثني عشر ، ص 490 .