بني راسب قالوا : لا نرضى ، لا حكم إلَّا لله ، فلما أخبر الإمام قال له : هل هي غير راية أو رايتين ونبذ من الناس ؟ قال : لا .
صحيح أن أهل الكوفة كانوا قد تعبوا من الحرب ، إلَّا أن أوارها كان لا يزال يَتَّقِدُ في أفئدة الكثيرين . فلما بادر المتطرفون بإعلان التمرد ، انتشرت دعوتهم كالنار في الهشيم . فما راع الإمام إلَّا نداء الناس من كل جانب : لا حُكم إلَّا لله ، لا حكم إلَّا لله ، لا حكم إلَّا لله ، يا علي لا حُكم لك ، لا نرضى بأن يحكم الرجال في دين الله ، إن الله قد أمضى حكمه في معاوية وأصحابه أن يُقتلوا أو يدخلوا في حكمنا عليهم .
وكلما نصحهم الإمام وذكَّرهم بأن العهد لا ينقض وقد جعلوا الله عليه وكيلًا ، أبوا إلَّا الحرب وقالوا للإمام بالحرف الواحد : تُبْ إلى الله كما تُبْنَا ، وإلَّا برئنا منك .
وعزَّز موقف الخوارج نتائج الحكمين حيث غرّر عمرو بن العاص بصاحبه أبي موسى الأشعري ، فاتَّفق معه على أن يخلعا كلًّا من الإمام ومعاوية ، وقدَّم عمرو صاحبه فلما فعل أبو موسى قام عمرو وقال : إن هذا خلع صاحبه ، وأنا أخلع صاحبه كما خلعه وأثبتُ صاحبي معاوية . وهكذا دعمت عاقبة التحكيم جانب المتطرفين فاجتمعوا في منطقة ( الحروراء ) وبعث إليهم الإمام ابن عباس فناقشهم بالقرآن فلم يستجيبوا له ، فذهب إليهم بنفسه وسأل عن الرجل المقدَّم فيهم فقيل : يزيد بن قيس الأرحبي ، فذهب إلى خبائه وصلَّى ركعتين ، ثم قام وقال :
« هَذَا مَقَامٌ مَنْ فُلِجَ فِيهِ فُلِجَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ . ثم التفت إلى الناس وقال : أُنْشِدُكُمُ اللهَ ، أَعَلِمْتُمْ أَحَدًا كَانَ أَكْرَهُ لِلْحُكُوْمَةَ مِنِّي ؟ » .
قَالُوْا : اللَّهُمَّ لَا . قَالَ : أَتَعْلَمُوْنَ بَأَنَّكُمْ أَكْرَهْتُمُوْنِيْ حَتَّى قَبِلْتُهَا ؟ .
الإمام علي (ع) قدوة وأسوة — صفحة 118
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١١٨