بالأحداث السياسية العظيمة ، ولا تزال الفئة التي نصرت الرسالة وتعرَّضت للآلام وقدَّمت التضحيات ، لا تزال تخوض غمار معركة الحق ضد الباطل ، دون أن تميل مع رياح الشهوات وعواصف السياسة .
ومن المعروف أن كثيرًا من هؤلاء الصحابة الكرام كان قد تقدم بهم العمر ، حتى بلغوا من الكبر عتيًّا ، ولكنهم لا يزالون في مقدمة المجاهدين ، وفيهم عمار بن ياسر ، الذي فقد والديه شهيدين في صدر الإسلام ، وتعرَّض للضرب والإهانة منذ الأيام الأولى للبعثة ، وهو اليوم يُناهز التسعين من عمره ويَشدُّ على وسطه حزامًا تنتصب قامته به ، ثم يدخل المعركة ، وهو ينادي : الرواح الرواح إلى الجنة ! . هكذا يصنع الإيمان بالقلوب الطاهرة والنفوس الزكية .
هكذا وقعت الواقعة :
في البلاد الإسلامية جيشان جيش الشام وجيش الكوفة ، وها هما يلتقيان لا ليحاربا عدوًّا مشتركًا ، وإنما ليتحاربا . فكم كانت الصدمة عنيفة في نفوس المسلمين ، وكم مشى رجال طيبون ، وكم سعى الإمام عليه السلام لردع معاوية عن هذا الغي والفساد العريض .
فمنذ أن التقى الجيشان بعث الإمام كبار قادته ، إلى معاوية وقال لهم :
« ائْتُوْا هَذَا الرَّجُلَ فَادْعُوْهُ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِلَى الطَّاعَةِ وَالجَمَاعَةِ » « 1 »
. ولكنه يرفض إلَّا المطالبة بدم عثمان - كما يزعم - ، ويحاول أن يستخدم الوسائل الحربية التي كانت شائعة في الجاهلية . فلقد كتب في سهم : إن معاوية يريد أن يُفَجِّر عليكم الفرات ، فيغرقكم فخذوا
هامش
( 1 ) بحار الأنوار ، ج 32 ، ص 448 .