لقد تعبت الكوفة من الحروب ، وبدأت تفكر في العيش الرغيد . وغاب عنهم أهل البصائر الذين كانوا يحومون حول أمير المؤمنين عليبن أبي طالب ، ويذكِّرون الناس باليوم الآخر ، ويبيّنون للناس فضائل إمامهم الحق . لقد غاب عنهم اليوم عمار بن ياسر الذي كان ينادي بين الصَّفَّيْن في معركة صِفِّين : الرواحَ إلى الجنة ! . ومالك الأشتر الذي كان لعليٍّ عليه السلام مثلما كان عليٌّ لرسول الله صلى الله عليه وآله بطلًا مقداماً ، وقائداً ميدانيًّا محنكاً .
وغاب ابن التيهان الذي يعتبره الإمام علي عليه السلام أخاً له ، ويتأوَّه لغيابه ، بلى لقد غاب أهل البصائر من أصحاب الرسول وأنصار علي عليه السلام الذين كان أمير المؤمنين عليه السلام يعتمد عليهم في إدارته للحروب .
وغاب القائد المقدام ، البطل الهمام ، الإمام علي عليه السلام أيضاً ، بعد أن أنهى سيف الغدر حياته الحافلة بالأسى ، فإنه كان قد صعد المنبر قبيل استشهاده ، وقد نشر المصحف فوق رأسه وهو يدعو ربه ويقول :
مَا يَحْبِسُ أَشْقَاكُمْ أَنْ يَجِيءَ فَيَقْتُلَنِي . اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ سَئِمْتُهُمْ وَسَئِمُونِي ، فَأَرِحْهُمْ مِنِّي وَأَرِحْنِي مِنْهُم
« 1 » .
وبالرغم من أن الإمام عليًّا كان قد جهّز جيشاً لمقارعة معاوية قبيل استشهاده . وهو ذلك الجيش الذي قاده من بعده الإمام الحسن عليه السلام إلَّا أنّ خور عزائم الجيش ، واختلاف مذاهبه وخيانة قواده ، كان كفيلًا بهزيمته حتى ولو كان الإمام علي عليه السلام هو الذي يقوده بنفسه .
إلَّا أن التقدير كان في استشهاد البطل ، وأن يتم الصلح على يد
هامش
( 1 ) بحار الأنوار ، ج 42 ، ص 196 .