كبار المؤرخين الجدد ، إذ انهم لم يحاولوا - كما حاول بعض فلاسفة التاريخ في القرن السابق - أن يدرسوا التاريخ كأنه نموذج واحد فقط ، وخاضع لسنن حتمية قاهرة لا تتغير ، بل درسوه على أساس كتاب متعدد الأوجه . فمثلا توينبي الذي درس إحدى وعشرين حضارة أصيلة ، درسها دراسة مستوفاة ، باحثا في كل حضارة عن روحها ولبابها ، وميزاتها ، وسماتها ، ثم أدلى برأيه في الحضارة ، وهو رأي معتدل نوعا ما ، إذ انه لا ينسى التنويه بدور الإرادة البشرية ، إذ انه استنبط من خلال دراسته : ( ان تاريخ كل أمة من الأمم التي اختارها موضوعا لدراسته ، انما هو استجابة لتحدي الظروف التي وجدت فيها « 1 » . إن الاستجابة لا تقع بطريقة عشوائية أو حتمية ، بل بوعي وإرادة حرة ) .
( وعند دراسة توينبي للحضارات التي اختارها ، تبين أن المجموعات البشرية التي تقودها جماعات من القادة وأصحاب الرأي وهؤلاء هم الذين يقودون الجماعة ، في استجابتها للتحدي ، ويحددون نوع هذه الاستجابة بحسب ملكاتهم فإذا كانت استجابتهم قائمة على ابتداع الوسائل التي تمكن الجماعة من التغلب على المصاعب التي تواجهها ، والسير إلى الأمام كانت هذه الجماعة موفقة وسار تاريخ الجماعة إلى الأمام لأن الاستجابة كانت ابتكارية ، أو ابتداعية ، ولا تزال الأمة في صعود وتقدم ما دام قادتها محتفظين بالقدرة على الاستجابة الابتداعية ، فإذا عجزوا عن ذلك أخذ سير الجماعة كلها يتلكأ ويتراخى وربما توقف ) وبينما كان اشبلنجر - مثل ابن خلدون - يرى : ( أن الاستجابة الابتداعية تصل إلى ذروتها ثم تتوقف ) أي إن موت الحضارة لا مفر منه . يرى توينبي : أنه من الممكن أن تستمر الحضارة في الاستجابة الإبتداعية ولا تموت بذلك « 2 » .
هامش
( 1 ) - المصدر ، ص 105 .
( 2 ) - المصدر ، ص 106 .