إننا تحدثنا في فصول سابقة ، عن مدى تأثير العوامل المادية ، والاجتماعية ، والشهوات ، والأهواء في تحديد مسير الإنسان . والإنسان ، هو الإنسان في الماضي ومستقبلا وكما أن إنسان اليوم تتنازعه تلك العوامل المادية والاجتماعية والنفسية ، ويؤثر كل واحد عليه تأثيرا متناسبا مع ظروفه ، وتركيبته الوراثية ، وقوة ذلك العامل ، ومدى استجابة الفرد له ، فكذلك إنسان الماضي والمجتمع البشري هو مجموعة أفراد ، والعوامل المؤثرة في كل فرد تؤثر بالطبع في الأفراد ككل . ولا ريب ان من أهم العوامل المؤثر في الفرد ، هو الاقتصاد ووسائل الإنتاج ، وكيفية توزيع الثروة ، وروح المجتمع الذي يعيش فيه من صبا ، أو شباب أو شيخوخة « 1 » .
ولكن السؤال هو : هل هذا تأثير حتمي في حياة الإنسان ، مما يجعل الحياة البشرية ، كالطبيعة ذات وتر واحد تسير عليه أبدا ؟ وبالتالي ، هل هناك علل تاريخية ؟ ! هذا ما لا نقبل به . إذ اننا نعرف - يقينا - وجود تحد إرادي للإنسان ، يعلو على مقتضيات الاقتصاد ، ووسائل الإنتاج ، والاجتماع ، وروح العصر ، وإن وجود قدرة أعلى للفرد على تحدي العوامل المؤثرة فيه ، دليل على وجود ذات القدرة في البشرية أيضا ، وبالتالي ان كل عصر تاريخي هو عصر فريد ، لأنه يتكون بالمزيج من تفاعل وتشابك العوامل ، ومن قدر غير مقدر - سلفا - من إرادة البشرية الحرة التي تختار إما الخضوع للعوامل أو تحديها .
كيف تختار المجموعة البشرية طريقها باتجاه أو ضد العوامل ؟ هذا أمر مرتبط بدراسة المؤرخ لكل عصر ( وسنتحدث عنه إن شاء الله عند الحديث عن روح الحضارة ) ولكن الحرية موجودة دائما وفي كل العصور وبهذا نعرف : إن القانون التاريخي ، يختلف عن القانون الطبيعي ، في أن الطبيعة لا تستطيع أن
هامش
( 1 ) - سنتحدث إن شاء الله عن الروح الاجتماعية .