ودراسة اللغات التي كتبت بها الوثائق التاريخية ضرورية أيضا ، وقد كشفت البحوث الحديثة عن اللغات القديمة ، والنقاب عن أسرار هذه اللغات ، مما أعطتنا فرصا كبيرة لفهم التاريخ .
3 - والمؤرخ بحاجة إلى معرفة فقه اللغة ، وهو علم يعتني ( بتطور المعاني التي عبرت عنها بألفاظ ) حتى أنك تجد الكلمة الواحدة تدل على عدة معاني تاريخية ، حسب العصور المتلاحقة .
ووضع كلمة لتعبر عن مفهوم ، هذا الوضع ذاته ، يدل على تطور معين ، فاللغات التي لا نجد فيها كلمات تدل على المجردات ، أو على الكليات ، وحتى على معنى التناقض والوجود ، هذه اللغات تدل على مستوى هابط من التطور الحضاري . بينما اللغات الغنية بهذه المفاهيم ، تدل على تقدم في الحضارة . و ( فقه اللغة أو علم اللغة ) لم يزل في دور الطفولة ، ولكنه إذا تقدم ، نستطيع آنئذ كشف خلفيات فكرية واجتماعية كثيرة ، من وثيقة واحدة .
4 - ومعرفة الأدب هامة أيضا بالنسبة إلى المؤرخ . إذ إن الأدب - كما اللغة - مرآة صادقة للحياة الاجتماعية السائدة ، وهو الذي يكشف عن تطلعات المجتمع ، وأمانيه . كما يكشف عن مستواه الفكري ( وقد تكون مخلفات أديب واحد ، معينا هائلا للمؤرخ ، يستقي منه معلومات تاريخية هامة لم تكن لتتاح له ، لولا هذه المخلفات ، فالياذة هوميروس و ( العمل والأيام ) لهيسبودس ، ومسرحيات ايسخولوس ، وسوفوكليس ، ويوربيدس ، عند الإغريق القدماء ، وآثار دانتي الأدبية ، التي ترجع إلى أواخر العصور الوسطى ، في إيطاليا ، ودراسة الأدب الغربي الحديث ، كلها تعتبر من المصادر التي لا غنى عنها ، لمن يريد التصدي للبحث في التاريخ السياسي والاقتصادي والاجتماعي لتلك الأزمان ) « 1 » . وكذلك كتاب الأغاني ، وصبح الأعشى وما أشبه ، بالنسبة إلى
هامش
( 1 ) - المصدر ، ص 135 .