الماضي وتفسيره ، وهو كما قال الأستاذ باراكلوف (
Barraclouph )
، المحاولة التي تبذل للكشف عن الأشياء المهمة في الماضي ، على أساس من شواهد جزئية ماضية « 1 » .
إن دراسة العلوم الاجتماعية ( دراسة الاقتصاد ، الاجتماع ، التربية ، وسائر العلوم البشرية ) قد لا يمكن أن تتم بتجارب مصطنعة ، أو بملاحظة تجربة الإنسان خلال فترة معينة ، إذ إن أثر بعض الظواهر قد لا يتوضح خلال هذه الفترة ثم الإنسان لا يخضع بسهولة للتجربة كما تخضع المادة الطبيعية ، ولذلك يحاول الإنسان الاستفادة من التاريخ لدراسة اثر الظواهر على سلوك الإنسان ، وأثر سلوك الإنسان على الظواهر .
والتاريخ ، بهذا المعنى ، جزء مكمل من العلوم البشرية ، إذ إن كل علم منها يمكنه أن يغني بحوثه عن طريق دراسة حوادث الماضي . فمثلا ، علم الاقتصاد يمكنه أن يستفيد كثيرا من طريقة تعامل الناس في بلد خلال فترة معينة ، فلو استطاع الاقتصاديون ، تجميع كل الظواهر الاقتصادية التي برزت في أميركا ، من يوم استقلالها وحتى اليوم ، فإنهم يستطيعون معرفة الكثير الكثير من المبادئ الاقتصادية الهامة ، ولكن بالرغم من أن هذا الأمر ممكن بالنسبة إلى التاريخ الحديث ، لأنه قريب ومدون ضمن وثائق لا تحصى ، فإنه يبدو اليوم شبه مستحيل بالنسبة إلى التاريخ القديم ، إذ لم تزل الظواهر التي وقعت في الماضي السحيق ، مجهولة ، تقريبا ، ولا يزال أمامنا طريق طويل للكشف عنها تماما ، ولكن بعد ان تكشف - كما يرجوها الإنسان ، ويسعى إليها - فإن كثيرا من العلوم والمعارف البشرية ، تستفيد استفادة كبيرة .
ان العمل العلمي للمؤرخ اليوم ، يتركز في الكشف عن أكبر كمية ممكنة من الحوادث ، ومن علاقاتها ببعضها ، حتى تتكامل في يوم وتكون تجربة حية
هامش
( 1 ) - المصدر السابق .