تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنطق الإسلامي (أصوله ومناهجه) — صفحة 517

مساهمون:

ص٥١٧
دون معرفة عدد الأشجار التي فيها ، ولا طبيعتها ، وخصائص وجودها ، كذلك يمكن أن نتعرف على الخطوط العامة التي سارت عليها البشرية في الماضي ، من دون أن نعلم بالتفصيل جميع الحوادث ، التي وقعت والأسباب الجزئية التي كانت وراءها . إننا لا نحتاج إلى ذكاء عظيم ولا إلى سعة اطلاع ، لنعرف تقدم الرسالة الإسلامية في فجر بعثها ، لأن هذا التقدم ثابت بألف حادث تاريخي وحادث ، بالرغم من أن الحوادث ذاتها ليست علمية ولا ثابتة ، إذا لاحظناها بانفراد ، إذ إنها من حيث المجموع ثابتة ، وذات دلالة لا ريب فيها ، على أن الإسلام متقدم . كذلك لا نحتاج إلى ذكاء عظيم ، لو أردنا تعليل هذا التقدم بصفة مجملة ، من خلال حوادث ثابتة - هي الأخرى من حيث المجموع - بالرغم من تسرب الشك إلى كل واحدة منها ، إذا لوحظت بانفراد ، وفلسفة التاريخ لا تعتمد على الجزئيات ، بل على مجمل الدلالة العامة ، التي يمكننا أن نستفيد منها . وتتناول فلسفة التاريخ هذه الأسئلة : هل للزمان بداية ونهاية ؟ وعند أية نقطة يبدأ الزمان ؟ هل عندما تهبط رسالات السماء ؟ أم عندما تقتضي التحولات الطبيعية في أشياء الكون فتنعكس بالطبع على الإنسان ؟ ثم هل التاريخ يتحرك باتجاه متقدم أبدا ؟ أم باتجاه دائري أبدا ؟ أم إنه يمشي كالحية ( خطوة إلى الوراء خطوتان إلى الأمام ) أم ماذا ؟ وما هي علاقة القيم بالحضارة والاجتماع بالتاريخ ؟ وما هي الديناميكية التاريخية ؟ وهل يمكننا وفق هذه الفلسفات أن نتنبأ بمستقبل الحياة البشرية ؟ فهل ، مثلا ، بإمكان مؤرخ مثل توينبي ، أن يتنبأ بمستقبل حضارة الرجل الأبيض وأنها تسير باتجاه عكسي ؟ إن فلسفة التاريخ تهدف الإجابة على هذه الأسئلة ، من خلال الحوادث العامة ، التي يلاحظها المؤرخ ليرى فيها الخطوط العريضة التي تربط بعضها ببعض « 1 » .
هامش
( 1 ) - راجع المصدر ، ص 215 - 244 .