على اثبات الحقائق وراء الإحساس .
وصرح العلم ، الذي نفتخر به اليوم ، يقوم على أساس التجربة ، والتجربة تقوم على قاعدتين : الحس والعقل . إن الحيوان لا يمكنه أن يكتشف من تجاربه علما ، مع أنه يحس ربما أشد وأقوى . فالكلب ذو سمع شديد والصقر ذو بصر نافذ ، لكنهما يفتقران إلى التجارب لأنهما يحسان فقط دون ان يعقلان ( حسهما ) .
ثم إننا لا نملك في أي قانون من قوانينا العلمية ، التجربة الشاملة التي تحصي جميع أفراد الظاهرة ، دعنا نفترض قانون التجاذب الذي بشر به نيوتن ، هل جرب مكتشفه كل تجارب الكون ؟ كلا ، فهذا مستحيل ، ان ما فعله لم يتعد اجراء التجربة على بضعة حوادث حتى حصلت له القناعة التامة بأن أية حادثة أخرى ، لا تعدو أن تكون مثل تلك التي جربها .
وهذه القناعة من أين حصل عليها ؟ من أين استطاع قياس ما يأتي بما مضى ؟ أفليس لحكم عقله بالمعادلة التالية :
إن التجربة الماضية دلت بطريق الحس على وجود تجاذب بين جسم وجسم مخصوصين ، وإن هذا التجاذب ليس صدفة وإنما هو بسبب وجود علة في الأجسام ، وحسب عدة ملاحظات على أنواع من الأجسام عرفنا وجود هذه العلة فيها ، فدل على أن كل الأجسام ذات قوة تتجاذب بها .
ترى ، كم من حكم عقلي اشترك على إعطائنا هذا القانون العلمي ؟ ومع أننا لا نرتاب في هذه الأحكام فإن أحدا منا لا يدعي أنه قد جربها هي الأخرى ، وأنه لولا التجربة لم يكن يعترف بها .
خلاصة القول : ان الإسلام - حين يذكرنا بالعقل ، ويوجه الفرد إلى نوره وهداه ، يؤمن العقل بذاته ، وبما يكشفه لنا وفي طليعته الإيمان بمبدأ ثبات الظواهر ، والذي يفيدنا في فكرة ( السنة ) الإسلامية . ان أبسط دليل على صحة فكرة السنة هو الضرورة العقلية التي تتسم بها هذه الفكرة ، وهذه الضرورة هي من
المنطق الإسلامي (أصوله ومناهجه) — صفحة 454
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤٥٤