تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنطق الإسلامي (أصوله ومناهجه) — صفحة 448

مساهمون:

ص٤٤٨
هذه الظروف ، التي تحدث الظاهرة ، فإن ذلك يعني أن السبب الكامل لا يمكن معرفته اللهم الا إذا كانت الظاهرة - حسب رأي مل - مما يمكن إيجادها صناعيا ، ولكن يؤخذ على مل أنه حتى هذه الظاهرة لا يمكن ان نعرف السبب الكامل فيها ، لأن الظاهرة الواحدة تشترك في صنعها كل الظواهر المحيطة بها ، التي لا يمكن حصرها أو معرفة مدى تأثيرها ولا يشكل عمل الإنسان الا جزءاً بسيطا جدا منها . فخذ مثلا ظاهرة الزراعة ، نحن نستطيع ان نعرف انه متى دفنا البذرة في التراب وسقيناها وتعهدناها بالرعاية وكانت الظروف صالحة فإنها تنبت ، ولكن لا نقدر ان نعرف ما هي الظروف المؤثرة في الزراعة بالضبط ؟ وكيف تكون صالحة ؟ ولو عرفنا ألف ظرف بقي ألف آخر لا نعرف عنه شيئا . لذلك لا يمكن التبجح بأننا نستطيع أن نحيط علما بكل الظروف المحيطة بالظاهرة والشروط المؤثرة فيها والأسباب المؤدية إليها ، إنما نتمكن من تنمية معارفنا بالشروط شرطا شرطا ، وسببا سببا ، وبصورة دائمة ، دون أن نزعم أن قافلة العلم ستصل في يوم إلى منتهى .

بين السبب والقانون :

إلا أن ما سبق لا يعني أننا نستعيض كليا عن السبب بفكرة القانون ، والتي يميزها عن فكرة السبب . إن القانون هو الجواب في الجوانب الخارجية للظاهرة ، بينما السبب هو البحث عن الجوانب الداخلية منها . فالقانون يقول : إن ظاهرة المد ترتبط بعلاقة مطردة مع صعود القمر ، وهذه العلاقة هي علاقة خارجية ، إذ لا تعني سوى وجود ارتباط بين ظاهرة وأخرى ، بينما فكرة السبب تسعى لتحليل هذه العلاقة والإجابة عن هذا السؤال : لماذا المد يرتبط بالقمر ؟ والجواب لأن القمر له جاذبية ، وللبحر إمكانية الانجذاب ، وهذا هو السبب في جذب القمر لمياه البحر ، وهذا الكشف بين لنا قوة داخلية في القمر ، وقوة داخلية في البحر ، والفائدة التي قد نستفيدها من هكذا كشف هي أن نبدأ نعمم السبب على أماكن ثانية فنستفيد من