ولم تكن طلائع الفلسفة الحديثة أسعد حظا في فهم السببية العلمية ، فمثلا يفسر ديكارت الحركات الإرادية ، لدى الإنسان والحيوان ، بوجود ما يطلق عليه اسم الأرواح والعقول الحيوانية ، التي تنتقل مع الدم إلى مختلف أنحاء الجسم فتؤثر في الأعضاء بالحركة . ويرجع الفضل إلى ( بيكون ) الذي نصح بالإقلاع عن البحث في الأسباب الفلسفية أو اللاهوتية وحض على معرفة الشروط الطبيعية التي تسبق الظاهرة .
كذلك ساهم هيوم - الفيلسوف الانكليزي - في تطوير معنى السببية وفي التمهيد لنشأة فكرة علمية من السبب « 1 » .
وأعاد هيوم الإنسان إلى درجة التتابع ، وكان بداية صعود الإنسان على السلم في صورة واقعية بدل صعوده سابقا بطريقة خيالية .
قال هيوم : إن ما يبدو لنا من وجود علاقة ضرورية بين الحوادث ، يمكن تفسيره بأننا نلاحظ تتابع حادثتين في عدة حالات خاصة ، فيغلب على ظننا أنه تتابع ضروري ، وأن إحداهما توجد الأخرى ، مع أن الفكرة الجوهرية في العلاقة السببية ليست هي انتاج إحدى الظواهر لظاهرة أخرى ، على نحو ضروري ، وإنما هي فكرة التتابع الزمني فقط بمعنى أننا إذا ألفنا ان الظاهرة ( ب ) تتبع دائما الظاهرة ( أ ) قلنا إن ( أ ) هي السبب في وجود ( ب ) « 2 » ، إلا أن ( مل ) جاء بعد هيوم ليحد من تطرف هيوم ، الذي أنكر العلاقة السببية مرة واحدة ، فقال مل : إن الطرق الاستقرائية تؤدي إلى الكشف عن قضايا عامة ضرورية ، وهي العلاقات السببية بين الظواهر . وعرَّف السبب بأنه المجموعة الكاملة لجميع الشروط الإيجابية والسلبية وكل أنواع الظروف التي متى تحققت ترتبت عليها النتيجة بصفة مطردة .
وحيث إن مل يعترف بأنه من المستحيل تقريبا أن يهتدي الباحث إلى جميع
هامش
( 1 ) - المنطق الحديث ومناهج البحث ، ص 228 .
( 2 ) - المصدر ، ص 228 .