( المهم عند الرجل البدائي ، أن يخلص نفسه من صعوبة الفراغ والجهل ، فهو يريد أن يدعي معرفة السبب أيا كان نوعه ، وهو يربط بين أية ظاهرتين ، تشغلان ذهنه في وقت واحد ، فمثلا حسب ما يقول ( ليفي بريل ) : ها هو ذا أحد أهالي جزائر هربيد الجديدة ، يسير في طريقه فيرى ثعبانا يسقط عليه من شجرة ، وفي صبيحة أحد أيام الأسبوع التالي ، يعلم أن ابنه مات في استراليا ، ولما كانت هاتان الحادثتان تشغلان تفكيره في نفس الوقت ، فإنه لا يستطيع ان يتصور أحداهما مستقلة عن الأخرى ) « 1 » . والإنسان القديم كالإنسان البدائي كان يتخيل وجود علل غيبية للأشياء ، دون الاعتراف بما لها من أسباب ظاهرة ، ( فإذا رجعنا مثلا إلى فلسفة أفلاطون ) وجدنا أنها تفسر وجود الكائنات في العالم الحسي ، بأنها ظلال وأشباح للكائنات العقلية أو المعاني التي توجد في عالم المثل .
وقد ذهب أرسطو إلى رأي غريب في تعليل سقوط الأجسام نحو الأرض ، فقال : إن الأجسام تنقسم إلى نوعين : خفيفة وثقيلة ، وان الخفة هي السبب في صعود الأجسام في الفضاء ، وإن الثقل قوة كامنة في الجسم . وفي العصور الوسطى لم يتحرر تفكير ( المدرسيين ) من الإيمان بوجود قوى خفية ، تنتج الظواهر وتسبقها في الوجود « 2 » . وكان هذا التفكير وراء شبهات فلاسفة الإغريق والتابعين لهم في المسائل الدينية ، التي تقوم على أساس إمكانية ( اختراق ) سنن الحياة ، والعمل بدون علة ثابتة وبالتالي إنكار المعجزات أنى كان نوعها . والفكر القديم ينطوي على تناقض كبير فيما يخص موضوع العلة والمعلول حيث يبقى حائرا في تفسير حدوث الأشياء وتطورها واختلافها ، مع أنها ميعا ناتجة من علة واحدة وثابتة وغير متطورة . وان العلة والمعلول لا بد ان يكونا من نوع واحد ، وهكذا إلى آخر هذه المسائل ، التي تورطوا فيها بسبب غرورهم في الاعتقاد بفهم
هامش
( 1 ) - المنطق الحديث ومناهج البحث ، ص 222 .
( 2 ) - المنطق الحديث ومناهج البحث ، ص 224 .