المتبادل ، أو من جانب واحد ، يكتشف الإنسان السبب ، وحين يعرف حقيقة الظاهرة ، والسبب الوحيد الذي يوجدها ويخلقها خلقا ، يصل العلم إلى نهايته ، حيث يعرف العلة . والى ان يصل العلم إلى هذا المستوى ، بالجهد البشري لا بد أن يقطع ألوف الأميال .
هذا ، ولكن البشر مغرور لا يعترف بسهولة أنه جاهل بشيء ، لذلك يقفز مرة واحدة ، على السلم ليصل إلى مستوى العلم بالعلل .
ولكنه بعد تجارب مريرة ، يكتشف خطأه ، فيهبط إلى مستوى السبب ، ثم قد يصطدم بحقائق لم يكن يتخيلها ، فيهبط إلى مستوى القول بالقانون ، أو حتى بمجرد التتابع ، ولو لم يكن الإنسان مغرورا ، كان يصعد السلم من درجته الأولى ، فيلاحظ التتابع ، ويلاحظ ان بعض الظواهر المتتابعة ذات تأثير متبادل ، أو ذات تأثير من جانب واحد ، فيؤمن بالقانون والعلاقة الضرورية ، وبعدئذ يلاحظ أن للقانون سببا ، بمعنى أن هناك علة من تأثير هذه الظاهرة في تلك ، وليس العكس ، فكان يقول بالسبب ، حتى يصل في أعلى السلم إلى جميع العوامل المؤثرة في إيجاد شيء فينتهي بالعلة ، بينما ابتدأ الإنسان القديم بالعلة لغروره .
إن الإنسان القديم - كالإنسان البدائي اليوم - كان يزعم أنه يعرف الحقائق كلها ، وكان يجلس في كوخه ، أو في كهفه ، وربما يستخدم مادة مخدرة ، فإذا دار رأسه ، أخذ يفلسف لنفسه ، ويعدد علل الأشياء ( الحقيقية ) ( فهؤلاء يعتقدون أن هناك قوى خفية تنتج الظواهر ، وتحدثها ، وهم يرون أن العالم ، الذي يقع تحت حواسهم ، يرتبط ارتباطا شديدا بعالم القوى الغيبية ، وأن هذه القوى تؤثر في الظواهر الطبيعية تأثيرا مستمرا . فالعقلية البدائية لا تكفي بما توقفها عليه التجارب والملاحظات المألوفة ، بل تتجاوز نطاق الواقع دائما ، وتتخيل علاقات بين النتائج ، التي تقع تحت الحواس ، وبين أحد الأسباب الخفية ) .
المنطق الإسلامي (أصوله ومناهجه) — صفحة 443
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤٤٣