الطبيعة حتى تكشف له عن أسرارها لا ريب في ذلك ، لكن يجب عليه أن لا يجيب مطلقا بدلا عنها .
مفارقات التجربة :
وإذا كان أساس التجربة مبنيا على معرفة التغييرات التي تطرأ على الظاهرة ، بسبب تغيرات في ظروفها المحيطة بها ، فإن هناك مواقع للإلتباس ، تنشأ في التجربة ( ونسميها بالمفارقات ) وهي تنشأ من عدة أمور :
1 - من الجمود الفكري ، الذي سبق وسيأتي بعض الحديث عنه ، والذي يعني ان نستعيض عن التفكر والبصيرة العقلية بالمناهج ، إذ ان هناك سننا عقلية ( بصائر قلبية ) ، أو بتعبير آخر ، مناهج يعتمد عليها العقل ، يجب أن لا نستخف بها في بحثنا عن الدقة ، فيكون مثلنا مثل ذلك الذي يهتم بالأنهر ، ولا يهتم بالعيون ، وإنما كان اهتمامه بالأنهر لأنها تحمل إليه مياه العين . كذلك المناهج ، إنما هي نتيجة استثارة العقل ، وهي استنباط لبعض قوانين العقل ، في معرفة الأشياء ، ولا يجوز لنا الجمود عليها ، ونسيان عقولنا ، إنما يجب أن نستفيد منها في إغناء عقولنا وإذكاء نورها ، وبصيرتها ، وبذلك تكون المناهج ذات روح وذات نفع كبيرة .
2 - إن الظاهرة الواحدة قد تكون وليدة عدة مصادر ، فتكون حرارة اليد ، مثلا ، وليدة نور الشمس ، وحرارة المدفأة ، وحرارة الدم ، وهنا حين يتغير مصدره ، كما إذا غابت الشمس مثلا ، تبقى الحرارة موجودة ، فلا يجوز لنا إذا ان نحكم مطلقا على أنه إذا فقدت الشمس ، وبقيت الحرارة ، فإن ذلك يدل على أن الشمس لم تكن مصدرا للحرارة .
أو قد يكون هناك مصدر واحد سببا للظاهرة ، ولكنا ، حين نعدمه ، يأتي مصدر آخر ، فيجلس مكانه . ظاهرة التكلم مثلا ، مصدرها في المخ هو ( بروكا ) ولكن من آيات الله أنه حين نزيل ( بروكا ) تقوم سائر خلايا المخ مقام