وكأنها دراسة من الداخل للظاهرة ، وبعدئذ تتعرف على نسبة كل عنصر في تكوين الظاهرة ، فمثلا : يستطيع المجرب تحليل الماء إلى عنصريه ، وتحديد نسبة كل عنصر إلى العنصر الثاني ، وذلك كمقدمة لمعرفة خواص كل عنصر منهما . وبكلمة ، التجربة دراسة من الداخل لعناصر الظاهرة وتحديد لنسبها وصفاتها .
ج - وكما تستطيع التجربة تحليل الظاهرة تستطيع تركيبها ، ولكن ليس بالشكل الطبيعي ، وذلك بهدف الوصول إلى عناصر جديدة بالمرة . من طريق التجربة ، استطاع الإنسان أن يؤلف بين النحاس والقصدير والرصاص ، ليصنع معدنا جديدا هو ( البرونز ) ، واستطاع الإنسان أن يصنع ملايين التركيبات الكيمياوية ، ذات الآثار المتنوعة .
د - والوقت الذي تختاره للتجربة ، هو الوقت الذي يناسبك ، بينما وقت الملاحظة يناسب الطبيعة ، لأنها هي التي تصنع الظاهرة ، كما أن المدة التي تستغرقها الظاهرة ، والمكان ، وسائر السمات ، لا يمكن التحكم فيها في الملاحظة بعكس التجربة ، مما يجعل الفرق بينهما كبيرا في النتائج ، إذ ان الملاحظات تسبب في تدخل الأوضاع الشخصية للباحث في نتائج ملاحظته ، بعكس التجربة ، وبذلك : ( نتائج الملاحظة تختلف باختلاف الملاحظين لأنهم ليسوا سواءاً في قوة حواسهم ، وسرعة خاطرهم ، وفي القدرة على فهم ما يلاحظون ، أو تأوليه تأويلا علميا صحيحا ) .
ولكن مع ذلك تحتفظ الملاحظة ، بقيمها البحثية في أمرين ، الأول : إن التجربة لا يمكن حصولها في بعض العلوم كالسياسة والفلك والاقتصاد ، الثاني : إن دراسة الظاهرة الطبيعية دراسة حية ميدانية ، ولذلك فهي توحي إلينا بروح الطبيعة ، والتي تحمل أكثر من مجرد فهم لنقطة واحدة ، بل فهما شاملا لمسيرتها العامة ، وبذلك يحتاج الباحث القدير إلى الملاحظة ، لشمولها وحيويتها ، ويحتاج إلى التجربة لموضوعيتها ودقتها ، وهما بالتالي كجناحي طائر .
المنطق الإسلامي (أصوله ومناهجه) — صفحة 423
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤٢٣