تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنطق الإسلامي (أصوله ومناهجه) — صفحة 411

مساهمون:

ص٤١١
ولكن لا يعني هذا عدم وجود أية فكرة عن طبيعة الحدس ، وعن طريقته في وضع الفروض ، أو حتى في معرفة القوانين العلمية ، إنما يعني اهمال المنهج الحديث لهذا الجانب ، وهو إهمال مضر جدا إذ انه مرتبط بأهم حلقة في سلسلة المنهج التجريبي ، وهي البصيرة الذاتية ، التي بدونها لا تنفع الأساليب ، أنى كثرت وتنوعت ، فما هي طريقة الفرض الصحيح وما هي العوامل الذاتية التي تؤثر فيه ؟ أولا : سبق الحديث عن الذوق الفطري ، والحدس السليم ، وهناك قلنا إن الحدس السليم ، يعتمد على عاملين أساسيين ، أولهما هضم المعلومات السابقة بشكل جيد ودمجها إلى بعضها ، وكثرة النظر فيها ، وفي الصلة بين بعضها والبعض الآخر ، والثاني الثقة بالعقل ، والجرأة في النظر ، وهذان الأمران يرتبطان بالفرض أيضا . ثانيا : من القواعد الأساسية في الفكر البشري ، قاعدة التشابه أو التناسب . فبهذه القاعدة يكشف الإنسان كثيرا من الأسرار ، وهذه القاعدة تعني أن الشيء يتفاعل مع أي شيء آخر ، يعطيه ويأخذ منه ، ضمن محور التناسب ، فالكبير يعطي كثيرا ويأخذ كثيرا والصغير بالعكس ، والحار يولد الحرارة والبارد البرودة ، وهكذا . . والذي يوجد في زمان معين ، لا بد أن يتفاعل مع ما يتناسب معه ، فبهذه القاعدة مثلا نعرف ان هذه الحرارة وليدة هذه النار لأنها تتناسب في حجمها وقوتها ، وزمانها و . . وأشياء أخرى مع النار . وإذا رأينا ريشة سقطت في البحر ، لا نفكر أبدا في أن تكون هي العلة في إحداث أمواج البحر ، إذ إن الظاهرتين لا تتناسبان . وليس التناسب في أشياء معينة فقط ، إنما بصيرة الإنسان مزودة بقدرة على معرفة التشابه ، بين ظاهرتين ، وبالتالي معرفة ارتباطهما ببعضهما . وبصيرة التناسب هذه هي حجر الزاوية في الكشف عن السنن الكونية ، وهي قد تهدينا بشكل غامض ، فتولد فروضا وقد تهدينا بصورة جازمة ، فتولد التعميم والقانون العلمي ، وعلى الفرد أن ينمي في نفسه هذه البصيرة ليستطيع وضع فروض جيدة . فقبل ( اختراع ) الفرض ، يوجه اهتماما