الرأي انه خاطئ ، يضعه ليتأكد من خطئه ، وحينئذ تبدو له أحيانا صحة فرضه مع تعديل بسيط ، أو يهتدي - بسببه - إلى حقيقة علمية جديدة ، وقد قدم كلود برنارد مثالا ، بين فيه كيف أرشدته بعض الفروض الفاسدة ، إلى حقائق علمية كبرى . فهو أراد أن يعلم ما الذي يحدث لمختلف المواد الغذائية في أثناء عملية الهضم وقد وجه اهتمامه بصفة خاصة إلى مادة السكر لأنها معروفة التركيب ، ولإمكان تتبعها في أثناء الهضم ، فأجرى بعض التجارب الخاصة ، بأن حقن دم حيوانات معينة بمحاليل من السكر ، ولاحظ أن السكر المحقون يظهر في البول ، مهما قلت كميته ، وأدرك ان العصارة المعوية ، تحول السكر وتغيره فتجعله قابلا للتمثيل ، أي للإستهلاك في الدم ، ثم أراد تحديد العضو الذي يتحول فيه السكر إلى الدم ، ( ففرض ) أولا أن هذا العضو هو ( الرئة ) ، لان علماء عصره كانوا يقولون : بأن استهلاك السكر يتم في أثناء ظاهرة الاحتراق ، أي في أثناء عملية التنفس لكن لم تلبث ان برهنت له بعض تجاربه على خطأ هذا الرأي . ومع أن هذه التجارب لم تكشف له عن العضو الذي يستهلك فيه السكر فإنها كشفت له عن ظاهرة جديدة ، وهي أن دم كل حيوان يحتوي على السكر ، ولو منع عنه الأكل مدة معينة من الزمن ، وكانت هذه الظاهرة مجهولة لدى علماء عصره ، بسبب آرائهم التي أولوها من الثقة أكثر مما تستحق ، فأقلع كلود عن جميع الفروض التي تتصل باستهلاك السكر ، واحتفظ بتلك الظاهرة الجديدة ، واتخذها مادة لبحوث وكشوف عديدة ، فأجرى تجارب جديدة أثبتت له صدق ملاحظاته ، وأرشدته إلى أن الكبد هو العضو الذي يتكون فيه السكر . وهكذا أدى به الفرض الباطل إلى نظرية صحيحة ، لأنه أثبت له بطلان فكرة ، وهداه إلى فكرة جديدة تماما .
أنواع الفروض
في أحاديث سابقة تبين لنا أن الفروض أنواع هي :
1 - الفروض العملية : هدفها افتراض حل للمشكلة العملية القائمة ،
المنطق الإسلامي (أصوله ومناهجه) — صفحة 406
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤٠٦