ثانيا : يجب التفرقة بين فرض نستخدمه عوضا عن البحث ، وفرض نستخدمه مقدمة للبحث . ( هؤلاء الذين يستنكرون استخدام الفروض والأفكار السابقة في المنهج التجريبي ، يخطئون عندما يخلطون بين اختراع التجربة ، وبين مشاهدة نتائجها ) ، ومن الحق أن نقول : ( إنه لا بد من ملاحظة نتائج التجربة بعقل مجرد من الفروض والأفكار السابقة ، لكن يجب الحذر من تحريم استخدام هذه الفروض ، والأفكار السابقة ، فعلى العكس عندما يكون الأمر بصدد القيام بتجربة ما ، وبصدد تخيل ( واكتشاف ) الوسائل التي تستخدم في الملاحظة ، فعلى العكس من ذلك ، يجب على المرء أن يدع خياله حرا . إن الفكرة السابقة أساس لكل استدلال ولكل اختراع ) « 1 » .
ثالثا : إن الفرض يكشف لنا عن الوسائل العلمية ، التي قد تنفعنا في اكتشاف الحقيقة ، والغريب أنه قد لا تنفع هذه الوسيلة في الكشف عن الحقيقة المطلوبة ، بل عن حقيقة أخرى لا تقل أهمية من تلك .
رابعا : إن العالم الباحث لا يمكنه أن يصبح خلوا تماما من أي فرض ، حتى ولو قال ذلك ، إذ ان الفرض هو طبيعة ملازمة للفرد ووظيفة وضع الفروض ، هو طرد الفروض المتوغلة في عالم الخيال ، والاقتصار على الفروض العلمية التي سيأتي تعريفها . يقول هنري بوانكاري : ( يقال في كثير من الأحيان : من الواجب أن يجرب المرء دون أن تكون لديه فكرة سابقة ، لكن ذلك ليس ممكنا ، وليس معناه فحسب أن تصبح التجربة عقيمة ، بل معناه أيضا أن المرء يعجز عن التجرد من الفكرة السابقة ولو أراد ذلك ) « 2 » .
خامسا : ليست الفروض الصحيحة ، هي التي تقودنا دائما إلى الحقيقة ، إذ حتى الفروض الكاذبة نافعة أيضا ، فعلى العالم أن يضع فرضا يبدو له بادئ
هامش
( 1 ) - المنطق ومناهج البحث ، ص 165 .
( 2 ) - المصدر ، ص 166 .