ألف : بعض الملتزمين بالدين حولوه إلى مجرد طقوس فارغة ، وبالغوا في الاهتمام بظاهر الشريعة ، دون باطنها المتجسد في حكمها الإلهية ، فلم تكن الصلاة عندهم حرباً ضد هوى النفس ومعراجاً إلى الله تعالى ، ولا الزكاة إزالةً للفوارق الطبقية وتطهيراً للنفس من علاقاتها بالدنيا ، ولا الحج إشعاراً بتوحيد الله تعالى ونبذ الأصنام وتوحيد الأمة تحت لواء الدين .
وهكذا غذت هذه الظاهرة نظرية التصوف باعتباره عودة إلى الجوهر والباطن .
وإذا تبلورت تلك الظاهرة في منهجية القياس الأرسطي ، ونظريات علم الكلام الحدّية ، فقد تبلور رد فعلها في منهجية الإشراق وأفكار أفلوطين وفيثاغورس ، وربما أفلاطون المثالية .
وأعظم ما تجلت فيه منهجية القياس ذات الحدود الصارمة في الفصل بين المذاهب والتفريق بين الديانات ، ووضع الحدود الواضحة بين الأقوال المختلفة ، وتناسي أهداف الشريعة من التقوى والعمل الصالح ، والاهتمام بالتعابير والألفاظ ، لذلك تجلى رد فعلها في نظريات وحدة الوجود وحذف الفوارق ، وإلغاء دور الظاهر ، والزعم بأن الكل على حق ، كما يقول شاعرهم :
لقد صار قلبي قابلًا كل صورة * فمرعى لغزلان ودير لرهبان
وبيت لأوثان وكعبة طائف * وألواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحب مهما توجهت * ركائبه فالحب ديني وإيماني
والواقع أن تطرف الظاهر على حساب الجوهر ، والباطن على حساب القانون المظهر له والمنظم لشؤونه ، نوع من الجهالة .
باء : عندما تثقل المسؤوليات وتزداد ، تخور العزائم ويبحث المتقاعسون عن تبرير للقرار ، هنالك تنتعش النظريات الصوفية .
فعلى مستوى الفرد ، قد يعيش في ظروف لا يطيقها ، كما إذا أصيب في ماله أو نفسه أو أعزائه مصيبة كبيرة ، فإنه يهرب إلى كهف الاعتزال هروباً من مواجهة الظروف القاسية .