إلا أن بقايا هذا الطموح دفعت بطائفة من الفلاسفة إلى الزعم بإمكانية حذف المسافة بين الخالق والمخلوق ، والارتفاع فعلًا إلى درجة الألوهية ، كما نرى في شطحات الصوفية ، وفي تخرصات الفلاسفة التي لا تقل سخافة عنها .
وعي التوحيد
هل يكفي أن نعتقد ب - ( وجود ) خالق لهذه السماوات الواسعة والأرض العريضة ؟
إن تطلع البشر لا يدعه يكتفي بذلك ، إنه يبحث عنه حتى يجده ، ويعرفه ، ويتقرب إليه ، وإنها فطرة الخلائق جميعاً ، يقول ربنا سبحانه :
قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِن دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا * اوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً ( الإسراء / 56 - 57 )
وإنه لهدف مشروع ، وقد جاء رسل الله تعالى لكي يذكروا الناس بربهم ، ويهدوهم إليه ، ويعلموهم كيف يتقربون إليه زلفى ، ولكن بعض الناس أخطؤوا الطريق ، ودفعهم حماسهم أو تطرفهم أو جهلهم إلى اختيار طرق أدت بهم إلى الضلالة .
وهكذا ينبغي ألا نشك في سلامة نية كثير من السالكين في طريق التصوف والعرفان ، وخطئهم في الطريق ، ولعل بعضه لا يفهم من عبارات الاتحاد والفناء والمحو وما أشبه معانيها الضالة ، فقد يؤولها بما يتناسب ومعرفته الفطرية ، يتعالى الرب وسموّه عن مثلها .
وبتعبير آخر : قد يكون هدف المتصوف في هذا الطريق ، السعي نحو تجربة ذاتية في وعي التوحيد . أو ما يسميه البروفسور ه - . لويس (
Lewis )
ب - ( التجربة الإلهية ) .
حيث أن الحقائق التي يزودنا بها الشعور ، أو يكشفها العقل ستبقى ناقصة ونسبية حتى تكتمل بالتجربة الإلهية .