تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مبادئ الحكمة (بين هدى الوحي وتصورات الفلسفة) — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨
أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ( العنكبوت / 45 ) . وحينما يصور لنا نِعم الجنة ويرغبنا فيها سرعان ما يبين لنا بأن رضوان الله أعظم من الجنة برمّتها ، رغم وصفه لهذه الجنة بأن فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر : وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الانْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( التوبة / 72 ) . فهذه النعم التي يعجز البشر عن تصورها في حياتهم الدنيا ، غير قابلة للمقايسة والتشبيه برضوان وحب ومعرفة الله جلّ جلاله . بلى ؛ إن البهائم تتمتع بأكل الحشائش ، ولو وصفت لها موائد الانسان اللذيذة فهي لا تفهم قيمة هذه الموائد حتى وإن جيئ بها بألف دليل ودليل . هذاً فضلًا عن عجزها المسبق عن فهم المتعة في الجلوس إلى شخصية عظيمة تدعوك إلى تناول الطعام معها . والسبب في عجز البهائم هذا هو التركيبة الغريزية الحاكمة على فهمها وتصرفها حيال هذا الموضوع . القضية ذاتها تشمل الانسان الكافر والغافل والمحجوب عن لذّة مناجاة الله ، حتى وإن جوبه بآلاف الأدلّة عن أهمية وعظمة التعرف إلى الله سبحانه وتعالى ؛ فعقليته عقلية محدودة وهابطة باتجّاه العناد والإلحاد . أما الانسان المؤمن فهو الوحيد القادر على فهم وتصور حلاوة مناجاة ربه ، حيث يقوم متهجّداً ومتبتّلًا ؛ مبحراً بقلبه نحو قدرة الكون المطلقة ؛ هذا الانسان يستطيع تصور أيّة خسارة عظمى من الممكن أن تحلّ به لو هجر ذكر الله أو جهل فضل الله عليه .