فإذا كان الناس يختلفون في مذاق هذا الطعام أو ذاك ، وإذا كان بعضهم يفضل هذا النوع من اللباس ويعارضهم آخرون ، فإنهم يجتمعون على قبول المعقولات .
عليأننا حينما نستشهد بالعرف ، فإنما نقصد منه الفهم والاستيعاب للمعقولات من حيث الواقع الخارجي على أقل تقدير . بمعنى أن الناس يفهمون من السماء وجود السماء ، ولا يعنينا هنا ما يفسرون به أو يعبرون به عن هذا الوجود وكيفيته ؛ أي أن الذي يهمنا من قضية العرف العاقل هو ما تفهمه عقول الناس بفطرتهم البريئة والخالية من التراكمات والسابقيات التربوية والثقافية . وهذا الواقع بحد ذاته حجة في الاستدلال أو التوضيح ، وهذه الحجية مستمدة من قبول العقل لها وقناعته بها .
العلة والمعلول :
وثمة فكرة مشهورة بين الفلاسفة نود مناقشتها في هذا الإطار ، وهي الفكرة القائلة بلزوم أن تكون العلة من سنخ المعلول ؛ بمعنى أن من المستحيل أن تولد النار البرودة ، ومن المستحيل أن يفرز الثلج الحرارة . فالانسان الطيب يخرج منه العمل الصالح ، والذي خبث لا يخرج منه إلّا النكد . وهذا قانون عقلي .
إلّا اننا نقول : قد تكون نظرية العلة والمعلول صحيحة ، ولكن لابد من التأكيد على لزوم ان يكون الطرفان من جنس واحد ؛ وضرورة أن العلة تحتوي المعلول بصورة أو بأخرى ، إذ المعلول هو عبارة عن خروج الشيء بعد كمونة . وهذه التعبيرات كلها
تنتهي إلى قول واحد ، وهو أن كل شيء يولد شيئاً مماثلًا له ، وأن الشيء لا يفرز إلّا مثيله .